زعماء أفارقة مسلمون منسيون (4-6): سوندجاتا كيتا .. مؤسس مملكة مالي الإسلامية

السفير عطا المنان بخيت
هناك لحظات في تاريخ غرب أفريقيا لا تُفهم إذا قرأناها كتعاقب ممالك فحسب. الأصح أن نراها كتحوّل في قواعد اللعبة: من مركزٍ واحد يضبط التجارة والشرعية، إلى فضاءٍ مفتوح تتنازعه قوى محلية، ثم إلى مركزٍ جديد يولد من قلب الصراع. هكذا تحديدًا ينبغي أن نقرأ السنوات التي تلت سقوط إمبراطورية غانا، وصولًا إلى معركة كيرينا الشهيرة، ثم إلى لحظة تشكّل مملكة مالي الإسلامية في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، بوصفها أكبر مملكة إسلامية في تاريخ السودان الغربي، ويرجع إليها الفضل فى ترسيخ دعائم الإسلام حتى يومنا هذا.
ذكرنا فى حديثنا عن سيرة المجاهد عبد الله بن ياسين، أن تحالف المرابطين والتكرور نجح فى إسقاط أمبراطورية غانا الوثنية ودخول عاصمتها كومبي صالح في حوالي 1076م، وأحدث سقوط غانا فراغاً هائلاً في الإقليم، لم تتمكن القوى الصغيرة التي ورثت غانا من ملئ الفراغ وحفظ الأمن وضمان التجارة عبر الصحراء، مما أدى إلى فوضى كبيرة، كانت تبحث عمن يضبطها. ولفائدة القارئ، لو أردنا بسط نفوذ أمبراطورية غانا على خارطة غرب افريقيا الحالية، نجد أنها تشمل أجزاء من جمهورية غينيا، موريتانيا، السنغال، غامبيا، مالي، النيجر، بوركينا فاسو، بنين، نيجيريا والكاميرون وتشاد. ولعل القارئ يلاحظ أننا لم نذكر جمهورية غانا الحالية، لأنها لم تكن جزءا من تلك الامبراطورية العظيمة، ولكنها أخذت الإسم تيمناً.
فى الفترة التى تلت سقوط غانا، وحتى تأسيس مملكة مالي في حوالى 1235، نشأت مجموعة من الكيانات الصغيرة أهمها مملكة السوسو، وهي مملكة وثنية أشهر حكامها سومنغارو كانتيه، الذى عرف بقساوته الشديدة. بالمقابل لم تكن هناك مملكة تمثل الإسلام، إلا أن قبائل الماندنغ أو المالنكي، الواسعة الانتشار في السودان الغربي حافظت على إسلامها لكنها شغلت بشؤون حياتها الملحة في التجارة والرعي ، كما أن بدو الصحراء إنكفأوا على ذاتهم، وهكذا خفت صوت الإسلام وعجز عن مواجهة نفوذ مملكة السوسو الوثنية القابضة.
فى هذه اللحظة المفصلية بين الثبات على الحق أو الردة، ظهر بطل جديد ومجاهد عظيم، قلب الطاولة تماماً، وكان فاروقاً بين عهد القهر والظلمات، ونور اليقين وقوة الحق، إنه البطل سوندجاتا كيتا، المقاتل الذي أعاد تشكيل المشهد الإسلامي من جديد في السودان الغربي، ووضع أسس أعظم مملكة إسلامية في أفريقيا هي مملكة مالي الإسلامية.
كان سوندجاتا قائداً عسكرياً عبقرياً، أدرك مبكراً أن مملكة السوسو القوية لا يمكن هزيمتها بمجموعات الماندنغ المبعثرة والتي تفتقد القيادة والتنظيم. لذلك بدأ فى تجميع القبائل المسلمة وتنظيمها وإعدادها لمعركة التحرير الحاسمة. ثم بدأ في تنظيم جيش متماسك إختبره بخوض معارك صغيرة فى أطراف مملكة السوسو. كان كل انتصار في معركة مهما كانت صغيرة يشكل دافعاً وحافزاُ معنوياً ويكسب جيش الماندنغ الناشئ ثقة أكبر في نفسه وفي قيادته.
فى العام 1235م، وبعد أن عظم شأن جيش الماندنغ المسلم وحلفاؤه، وتعززت صورة القائد سوندجاتا كيتا كبطل ملحمي، قرر أن يهاجم مركز مملكة السوسو الوثنية القوية، حيث إلتقى الجيشان في معركة كيرينا التاريخية وهي واحدة من أعظم المعارك في تاريخ السودان الغربي. قاد جيش الماندنغ البطل سوندجاتا كيتا بنفسه، بينما قاد جيش السوسو الملك الجبار سومانغرو كانتيه، وأنتصر جيش الماندنغ إنتصاراُ باهراً، وتمكن سوندجاتا من قتل ملك السوسو الجبار، فى مشهد بطولي كتبت فيه ملاحم شعبية خالدة.
لقد كان موت ملك السوسو حدثا هز أركان الإقليم، حيث كان ينظر إليه بأنه يتمتع بقدرات فوق البشر، وأنه يملك الجن والسحرة والمردة، وبموته إنهارت مملكة السوسو، وسطع نجم سوندجاتا كبطل ملحمي لا يضاهى، ومحرر لقبائل الماندنغ من قهر السوسو. ونظراً لأهمية هذه المعركة إتخذها المؤرخون نقطة البداية لتأسيس مملكة مالي الإسلامية العظيمة، لأنها حولت ولاء كل المجموعات التي كانت تخضع لمملكة السوسو، لتصبح نواة لمملكة جديدة ناشئة هي مملكة مالي. كما غيرت المعركة النظر إلى سوندجاتا الذي إرتفع في ناظر قومه من كونه قائداً عسكرياً فذاً، إلى زعيم مؤسس لمملكة ضاربة. أما بالنسبة لقبائل الماندنغ المسلمة فقد نقلهم ذلك الانتصار من الانقسام إلى الوحدة، ومن الهامش إلى المركز، ومن التبعية إلى القيادة.
كانت حياة سوندجاتا كيتا سلسلة لا تنقطع من الجهاد الظافر، كان لا ينتهي من معركة حتى ينصرف إلى معركة أخرى، فبعد أن دانت له مملكة السوسو، وإنقادت له كل القبائل والولايات التابعة لها، بدأ في توسيع مملكته وتوحيد القبائل والأعراق المختلفة في إتحاد متجانس، يكون الأساس لبناء مملكة عظيمة. فقام ببناء عاصمة جديدة هى مدينة نياني التى تقع تقريباً في الحدود بين جمهورية غينيا وجمهورية السنغال الحالية، ثم واصل زحفه منحدراً مع نهر النيجر حتى وصل عمق الصحراء فى مدن غاو وتمبكتبو التي أصبحت فيما بعد مركزاً علمياً عالمياً، وهكذا إستطاعت مملكة مالى أن ترث حدود أمبراطورية غانا وتصبح أكبر إمبراطورية مسلمة فى تاريخ السودان الغربي.
لم يكن سوندجاتا قائداً عسكرياً فحسب، وإنما كان زعيماً بعيد النظر، فبعد التوسع الكبير لمملكة مالي، وهيمنتها على ولايات وعرقيات مختلفة، رأى أنه لا بد من وضع ميثاق يعزز التعايش السلمي المجمتعي ويجعل من مواطني مملكة مالي الإسلامية كيانا منسجماً بعيداً عن الصراعات العصبية والجهوية. وفى سبيل ذلك وضع قانوناً للسلم الاجتماعي عُرف تاريخياً بإسم (ميثاق الماندن)، أو كوروكان فوغا باللغة المحلية. وبالرغم من أن هذا الميثاق شفوي، غير مكتوب، لكنه بقي حاكماً في مملكة مالي وما بعدها، وتأكيداً لأهميته التاريخية فقد صنفته منظمة اليونسكو ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادى للبشرية.
تصف اليونسكو هذا الميثاق بأنه (قانون عرفي ينظم الحياة الاجتماعية، نقل شفهياً عبر الاجيال، ويدعم الإحساس بالإنتماء والهوية والاستمرارية).
وتشرح اليونسكو محتوى الميثاق بأنه: يتكون من مقدمة وسبعة محاور تدعو إلى “السلام الاجتماعي في التنوع”، و”حرمة الإنسان”، و”التعليم”، و”وحدة الوطن”، و”الأمن الغذائي و “حرية التعبير والتجارة” . ولا شك أن هذا القانون المتقدم على زمانه يؤكد عبقرية سوندجاتا، ليس لأنه إنتصر فحسب، بل لأنه ترجم الانتصار إلى قواعد تضبط القوة، وتحفظ الحقوق، وتكرم الإنسان.
لكل هذا فقد أصبح سوندجاتا رمزًا كبيرًا: لأنه بطلُ لحظة انتقال، ومؤسسُ نظام، وبطلُ ملحمي في آنٍ واحد والشخصيات التي تجمع هذه الأبعاد نادرًا ما تبقى ملكا فقط، إنها تتحول إلى معنى ورمز وأسطورة. وهكذا يصور الأدب الشعبى للماندنغ سوندجانا بأنه بطل أسطوري ملحمي تبقى ذكراه عبر الزمن.
لقد أخرجت عنه أفلام سينمائية وعشرات أفلام الكرتون، حاملة إسم سوندجاتا أسد مالي، وما يزال البطل القومي الأول لدى الماندنغ في السودان الغربي.



