زعماء أفارقة مسلمون منسيون (5-6) مانسا موسى .. أشهر ملوك مالي

السفير عطا المنان بخيت
أوضحنا فى الحلقة السابقة كيف نجح سونجاتا كيتا في توحيد ممالك الماندنغ وحلفائهم فى كيان واحد وهزيمة مملكة السوسو وتأسيس مملكة مالي الاسلامية في حوالي 1235م، وسرعان ماتحوّل هذا الكيان تدريجياً إلى إمبراطورية تجارية واسعة تمتد من مناطق الذهب في الجنوب إلى هوامش الصحراء الكبرى في الشمال، مع سيطرة متزايدة على الطرق التي تربط غرب أفريقيا بالمغرب. لكن بنيان المملكة لم يكتمل بعد فقد إنشغل المؤسس وأبناؤه من بعده بالجهاد وتوسيع رقعة المملكة، وشغلهم الجهاد عن البناء والتنمية وبسط النفوذ الثقافي والعلمي والسياسي. وتلك هي المهمة التى قام بها على أكمل وجه الملك مانسا موسى، فأصبح الملك البناء بحق.
وُلد مانسا موسى حوالى عام 1280م فى بيئة ملكية في العاصمة نياني التي أسسها جده سوندجاتا كيتا، وكانت نشأته فى سياق إمبراطورية آخذة في التوسع، تتدفق عليها ثروات الذهب وتتشابك مع طرق التجارة الصحراوية، وتتشرب تدريجياً بالعالم الإسلامي من خلال التجار والعلماء الوافدين من الشمال. و تلقّى تربية إسلامية جعلته يوصف في المصادر العربية بأنه ملك متدين، حريص على الصلاة والصوم، ومهتم بتعلّم العربية وعلوم الشريعة. وفي الوقت نفسه تعلّم مهارات الحكم، وإدارة الأقاليم، والتعامل مع التجار والوجهاء ما أهّله لاحقاً لتولّى منصب نائب الملك قبل أن يجلس على العرش.
تولى مانسا موسى مقاليد حكم مملكة مالي، بعد أخيه المانسا أبوبكر (كلمة مانسا تعني الملك بلغة الماندنغ) الذى تشير كثير من الدراسات الحديثة بأنه أول من إكتشف الامريكتين قبل قرنين من وصول كرستوفر كولومبس إليها. تقول الروايات أن المانسا أبوبكر كان مجاهداً كبيراً، قاد جيشه الظافر حتى تخوم المحيط الاطلسى على شاطئ السنغال وموريتانيا الحاليتين. وهناك علم أنه يوجد قوم وثنيون وراء هذا المحيط ، فقرر الإبحار في جيش جرار حتى يصل إليهم ليدخلهم في الاسلام. وأعد رحلة بحرية كبرى، وأوكل نائبه موسى بإدارة البلاد في غيابه، ولكنه لم يعد. وتؤكد الدراسات العثور على مخطوطات إسلامية كثيرة تثبت وصول بعض سفن مملكة مالي إلى شواطئ الامريكتين.
وهكذا ورث مانسا موسى في العام 1312م، حكم مملكة ذات مؤسسات وثروات معتبرة، لكنه نجح في أن يرفعها إلى مستوى رفيع من الاتساع والثراء والحضور العالمي حتى صارت شخصيته هى الأبرز فى تاريخ مملكة مالي.
إرتبط إسم مانسا موسى في مخيلة القارئ العربي برحلة الحج التاريخية التي حمل فيها أطناناً من الذهب، وذلك تبسيط مخل للدور الكبير الذى قام به هذا الملك فى بناء مملكة مالي، إذ أن رحلة الحج التاريخية جاءت بعد أكثر من عشر سنوات من حكمة قضاها في إحكام وإكمال البناء الداخلي للمملكة، وكانت مغازي تلك الرحلة الروحية والسياسية أكبر بكثير مما صورته الروايات الشعبية.
على المستوى الداخلي، عَمِل مانسا موسى على تثبيت سيطرة مالى على الأقاليم المختلفة من خلال نظام إداري يقسم الإمبراطورية إلى مقاطعات، يتولى كلٌّ منها والٍ أو حاكم محلي، على أن تبقى الملفات الإستراتيجية – التجارة الكبرى والجيش والمناجم – تحت سلطة المانسا. هذا التوازن بين المركزية في الثروات واللامركزية النسبية فى الإدارة المحلية ساعد على استيعاب مدن وقبائل متعددة، مستفيدا من العقد الاجتماعي الذي وضعه جده سوندجاتا كيتا. كما دعم القضاء والفقه المالكي إلى جانب الأعراف، ورسّخ تقاليد للعدل وتنظيم العقود والمعاملات، ما وفّر إطاراً قانونياً للاستثمار والتجارة.
استثمر مانسا موسى جزءاً كبيراً من ثروات الذهب في بناء المساجد والمدارس القرآنية، خاصة في المدن الحضرية الكبرى مثل نياني وغاو وتمبكتو، ووفر لها أوقاف ثابتة لتمويل نشاطها وتطويرها. وجذبت هذه المساجد والمعاهد، طلاباً من مختلف أنحاء غرب إفريقيا، ومع الوقت أصبحت تنتج علماء ومؤلفات ومكتبات ضخمة من المخطوطات.
وفي سياق هذه النهضة، تحوّلت مدينة تمبكتو من محطة تجارية على أطراف الصحراء إلى مركز علمي – تجاري كبير، يجمع بين القوافل القادمة من الشمال والجنوب وبين حلقات العلم في شتى مناحيه، مما حدا بالمؤرخين المعاصرين أن يطلقوا عليها وصف أكسفورد أفريقيا،. في إشارة إلى كثافة مؤسساتها العلمية ومكانتها كمدينة جامعية شاملة. وتؤكد الدراسات أن تمبكتو إحتوت آلاف الطلاب من كل العالم، وعشرات المكتبات الخاصة والعامة، ومئات آلاف من المخطوطات في مجالات الفقه والحديث واللغة والتاريخ والفلك والطب والفلسفة، وهو ما يدعم وجاهة التشبيه من حيث الجوهر، بينها وبين أكسفورد الشهيرة فى عصرنا.
بعد أن بلغ البناء تمامه، وقويت شوكة مملكة مالي، وتوحدت مكوناتها الإجتماعية، قرر مانسا موسى التوجه لأداء فريضة الحج، شكرا لله، وإنفتاحا على العالم الاسلامي، وتقديم بلاده لجمهور الأمة. وهكذا خرج مانسا موسى من مالي العام 1324،في قافلة أصبحت واحدة من أشهر الرحلات في تاريخ الإسلام وإفريقيا معاً.
تصفها المصادر العربية بأنها كانت موكباً ضخماً يضم عشرات الآلاف من المرافقين، بينهم الجنود والحاشية والخدم مع مئات الجمال التي تحمل أطناناً من الذهب.
وصل الملك موسى إلى القاهرة فى يوليو 1324م، والتقى بالسلطان المملوكي الناصر محمد . وتحدّثت الروايات عن سخائه البالغ في توزيع الذهب على العلماء والأمراء والفقراء مما أدى لإنخفاض أسعار الذهب فى مصر لسنوات. بعد ذلك واصل رحلته إلى الحجاز حيث أدّى المناسك، وربط مملكته بعلاقات مباشرة مع علماء مكة والمدينة.
لم تكن رحلة الحج طقساً روحياً فقط؛ بل كانت أيضاً عرض قوة، قدّم مملكة مالي للعالم الإسلامي باعتبارها إمبراطورية غنية ومستقرة وقادرة على تنظيم قافلة عابرة للصحراء بهذا الحجم، وأظهرت الرحلة مدى اندماج مالي في الشبكات التجارية الممتدة من حوض النيجر إلى مصر والحجاز.
في مجال العلم و الثقافة، فتحت رحلة الحج الباب أمام تبادل مكثف للعلماء والطلاب والكتب، إذ نسج مانسا موسى علاقات مع النخب السياسية والدينية في مصر والمغرب والحجاز، وأرسل لاحقاً طلاباً من مالي للدراسة في فاس بالمغرب، واستقدم علماء من مصر والمغرب والأندلس للإقامة في مملكته، بما في ذلك المعماري الأندلسي أبو إسحاق الساحلي الذي ارتبط اسمه بتصميم بعض المساجد الكبرى. هذه الشبكة الجديدة من العلاقات جعلت مالي طرفاً مُعتَرفاً به في العالم الإسلامي، وليست مجرد بقعة معزولة فى الصحراء.
على مستوى العلاقات الخارجية، مثّلت رحلة الحج أداة دبلوماسية فعّالة عرّفت العالم الإسلامي على قدرات مالي، وبنى مانسا موسى على ذلك علاقات مع سلطان مصر المملوكي ومع نخب المغرب والحجاز واستقطب العلماء والتجار، حتى بات اسم مالي متداولاً في البلاطات وفي مؤلفات الجغرافيين العرب والأوروبيين. انعكست هذه المكانة فى الخرائط الإيطالية–الأيبيرية التي صوّرته رمزاً لثروة أفريقيا، ما يعني أن سياسته نجحت في تحويل قوة واقعية إلى صورة رمزية عالمية.
وهكذا نرى أن حقبة مانسا موسى تمثل لحظة الذروة في تاريخ مملكة مالي، من حيث الاتساع الجغرافي والثروة الاقتصادية والحضور السياسي والدبلوماسي، والبناء المؤسسي للعلم والدين. ولذلك ينبغي أن يوضع هذا الملك في مقامه الصحيح، ليس في صورة الملك شديد الثراء، باذخ الإنفاق، وإنما فى كونه المؤسس لمرحلة سياسية وعلمية وإقتصادية فريدة، مكنت غرب أفريقيا من إنتاج تجربة حضارية إسلامية عميقه ومؤثرة عبر الأجيال.



