رأي

تعقيبا على مقال السفير العبيد: ثقافة مجتمعنا هي التي تشكل مؤسساتنا وسياساتنا (1-2)

بروفيسور إبراهيم محمد آدم 

أبدأ أولاً بجزيل شكر مستحق للأخ السفير العبيد أحمد مروح فقد أعتدت على كتاباته العميقة لسنوات طويلة كما قلت له من قبل في ندوة سابقة في منتدى إسناد الثقافي الشهري، ذلك لأنه ككاتب ومفكر ينطبق عليه قول إبراهيم عبد القادر المازني في حصاد الهشيم : (إن الكاتب يجب أن يكون صريحاً جريئاً يقتحم على الناس بآرائه ولا يبالي من رضى ممن سخط منهم، خاصة الذين لا يروق لهم أن يرون كتابه مطبوعاً).

و لا أريد في تعقيبي على هذا المقال، التركيز بكل صراحة على نواقصنا التي يغذيها تاريخنا الدموي وثاراتنا القديمة خاصة من قبل الذين يتنافسون على الحكم ضد بعضهم البعض ويستنجدون بالأجنبي، ذلك لأن واقعنا اليوم بما فيه الحرب الدائرة حالياً ليس أمراً طارئاً ولا حالة مستحدثة بل أزمة ضاربة الجذور في أعماق تأريخنا ذاك. لذلك علينا أن نشرح ذلك الماضي بكل دقة فكل مشاكلنا الراهنة لها جذور تاريخية وإن علينا أن نتخذ منها العبر بدلاً من التغني بأشعار غير واقعية، أو القول إننا سنعيد بلادنا سيرتها الأولى وهل كانت سيرتنا الأولى إلا حروباً ودماءً.

قد يقول قائل لماذا نبش ومحاكمة الماضي بدلاً عن مناقشة الحاضر فأقول لهم أليس واقعنا إلا انعكاساً لماضينا وتشكيلا لحاضرنا ومؤشراً لمستقبلنا ؟

وغني عن القول إن ثقافة أي مجتمع هي التي تحدد قيمه الاجتماعية و السياسية والاقتصادية، ولا تزال ثقافتنا بعيدة عن التبادل السلمي لمواقع السلطة بأنواعها بدءً من شياخة القرية وإلى رئاسة الجمهورية ومن الأحزاب السياسية إلى الاندية الرياضية ومن الشركات التجارية إلى الطرق الصوفية، فكلها لا تشهد ثقافة الانتقال السلمي من رئيس لآخر إلا بالسنان في معظم الأحيان، ولعل ذلك ما سود واقعنا السياسي والاقتصادى وهما الأهم ما بين الأنشطة الأخرى في حياتنا. والأصل في ذلك ثقافة مجتمعنا الممتد بأصله الافريقي أو العربي وقد امتزج فيه تأثير هذين العاملين.

ففي الأعراف الأفريقية الكبار يظلون متحكمين في كل شيئ بغض النظر عن عمق معرفتهم به، بل إن ارواح الأسلاف تظل حائمة في منازلنا تحمينا (لذلك جسدناها مجازاً في ذلك التغني: أرواحنا حولك حايمة حارساك تحميك)، بل وحتى الحروب والتمردات في أفريقيا قد طرأت بعد دخول الاستعمار بأسلحته الفتاكة، والسلاح الأفريقي كان مخصصاً فقط للصيد، لذلك كان بدائياً متمثلاً في السهام والحراب ولم يخترع البارود في أفريقيا للفتك بالبشر، كما أن الافريقي أكثر تقبلاً للثقافات الوافدة، إذا أتت سلماً لذلك تحولت أفريقيا سريعاً من أديانها التقليدية إلى المسيحية والإسلام فأصبحت الديانتان الغالبتان فطغت على ما جاء به منذروا أفريقيا فالله تعالي يقول في محكم تنزيله (وإن من إمة إلا خلا فيها نذير).

أما في أصلنا العربي فنجد أن ثقافة الحروب والاقتتال هي الأصل ولدينا في التاريخ شواهد داحس والغبراء والمواقع القتالية الأخرى من الجاهلية وحتى النزاعات المحلية اليوم، كما أن لديهم صعوبة قبول الآخر والثقافة الوافدة لذلك واجه النبي صلى عليه وسلم عنتاً كبيراً ومشقة من أقوام وصفهم الله تعالى بأنهم أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد استثنى أولئك الذين ينفقون متخذين ما أنفقوا قربات لله، ونسأل الله أن يكون ذلك الاستثناء هو الغالب.

مع تلك التيارات الأفريقية العربية الممتزجة التي صبغتنا عرباً نحن وأفارقة كان تأثير الثقافة الأوروبية الاستعمارية كبيراً، والاوربيون مولعون بالحروب وبأسهم بينهم شديد، ولا يتفقون إلا حول توزيع مصالحم المأخوذة من الشعوب الأخرى ولهم مسبباتهم في ذلك؛ فالألمان والانجليز مثلا يكرهون الفرنسيين لأن الثورة الفرنسية هي التي نقلت اليهم عدوى الإطاحة بالملوك وتغيير الحكام بالقوة، والانجليز والفرنسيين يكرهون الألمان لأن الانشقاق الارثوذوكسي بدأ هناك فانقسمت الكنائس إلى أرثوذوكسية وكاثوليكية وبروتسانتينية وغيرها فاقتتلوا لثلاثين عاماً حتى انتهوا باتفاقية سلام وستفاليا التي أنهت الحروب المرتبطة بتلك الانقسامات الدينية وتكونت بموجبها الدولة القومية المنفصلة عن الدين شكلاً ليخدعونا نحن المسلمين بذلك فنردد بـ”ببغائية نحسد عليها” مقولة فصل الدين عن الدولة، وبعدها نقلوا حروبهم إلى أفريقيا و آسيا وأمريكا، ثم كانت الطامة الكبرى أن تسببت ألمانيا في حربين كونيتين أوردتا أوروبا في المقام الأول موارد التهلكة، تلك الثقافة الأوروبية جلبت لنا عن قصد أدواء وأنواء الحروب الأوروبية وزودتنا بكل أنواع الأسلحة الفتاكة وفشت بيننا عطر منشم ودقت لنا طبول الحروب التي نعيشها اليوم. بل والاخطر من ذلك أن الحكام في العالم الذي أسموه ثالثاً يعيشون تحت تهديد السيوف الأوروبية الأمريكية ولذلك يستغرب البعض من شعوبهم لماذا يتصرف حكامهم بعقول أطفال، وقد كنت من المعجبين جداً برئيس بوركينا فاسو الراحل توماس سانكارا الذي غير اسمها من فولتا العليا الى بوركينا فاسو وتعني (أرض الصالحين) وكان لديه مشروعاً طموحاً للنهوض بذلك البلد الأفريقي الواعد فخططت أوروبا لاغتياله عبر صديقه ونائبه الذي تولى السلطة بعده، بليز كومباوري ، حيث تم تقطيع جسد سانكارا إلى اثنتي عشرة قطعة ثم أشاعوا أن الصديقين اختلفا حول فتاة فغدر أحدهما بالآخر، ولاحقاً عرفتُ من طالب دراسات عليا مطلع من ذلك البلد أن كمباوري نفسه قد خير بين اغتياله هو أو قتله لصديقه فآثر طول السلامة وبقي رئيساً لزمن تطاول حتى إذا ما استنفذ أغراضه أشعلوا له ثورة شعبية مرسومة المسار و النهاية بعناية.

وما يحدث اليوم لحكام العالم من قبل أمريكا فاق مكر آبائهم الأوربيين، فأمريكا التي اغتالت عمر توريخو في الاكوادور وأخذت مانويل نوريغا حياً من بنما واتبعته بنيكولاس مادورو من فنزويلا زادت في صلفها كيل بعير فقتلت مع ربيبتها إسرائيل حسن نصر في لبنان وكل قادة حزب الله وحماس وإيران كامتداد لما قامت به ضد زعماء الثورة الفسطينية حتى أصبحت منظمة التحرير الفسطينية نظام حكم عربي بامتياز .

وكثيراً ما تحدثنا عن أن الرعيل الأول من التربويين الذين وضعوا لنا منهج التاريخ المدرسي مجدوا لنا كل تاريخنا وما مضى من حياتنا، غير أنهم لم يحدثونا عن ثقافة المحافظة على المؤسسات لنبقي على هذا الوطن الذي نتغنى بتاريخه، وعلى العكس من ذلك حاولوا جهدهم تقديم سفر يمدح كل ما هو وطني بغض النظر عن سوءاته، ويحاول دوماً أن يحط من قدر الآخر القادم من الخارج وإن تبدت بعض حسناته، وأعتقد أنه كان من الأجدى بأولئك الآباء أن يقدموا لنا تاريخنا كما هو بكل حسناته وسوءاته، ولو فعلوا ذلك لجنبونا ما نحن فيه اليوم، إنهم لم يقدموا نقداً موضوعياً لتجاربنا الوطنية ذلك ببساطة لأن النقد عندنا ضعيف جداً إن لم يكن معدوماً وإن وجد فهو يصور إنه تحاملاً على الآخرين أو هدماً لبعض شمائلهم أو تقليلاً من شأنهم.

في هذا الإطار وفي مقابل دوامة الانظمة الديمقراطية والانقلابات العسكرية مع الاتهام الدائم للأحزاب السياسية بالاستعانة بالعسكر لتنفيذ الانقلابات، تبرز دوامة أخرى هي ثنائية السلطة والتمرد فحكام اليوم هم متمردو الأمس ولعل أحد الاحتمالات أن يكون متمردو اليوم هم حكام الغد، وذاك السياسي الذي يدمر المؤسسات حين تمرده، فحال توقيعه على اتفاق سلام يأتي غداً محمولاً على الأعناق باعتباره بطلاً للسلام ، السلام الذي عمل له لتلك المدة الوجيزة وقد أنفق أضعافها يسوم مواطنيه سوء العذاب ويعطل لهم أبسط مقومات الحياة باسم محاربة التهميش وليته تركهم في تهميشهم ذاك.

إن السودان قد عاش تجربة أول دولة وطنية موحدة فيدرالياً على الأقل قبل أن تعرف الفيدرالية بشكلها الحالي وتدرس كمصطلح أكاديمي قابل للتطبيق في دول مختلفة بمشارب وأنماط متعددة، وذلك أيام السلطنة الزرقاء أو سلطنة الفونج التي حكمت البلاد لثلاثمائة وستة عشر عاماً حتى انتهت بالغزو التركي للسودان وقد كانت الممالك والمشيخات التابعة لها تتمتع بالحكم الذاتي ولم تكن هناك أي نبرة انفصال عن السلطنة رغم أنها شهدت صراعات قاتلة حول طريقة تداول السلطة داخل الممالك الصغرى المكونة للسلطنة هذا عداً عما لحق بالسلطنة نفسها من صراعات على قمتها وانهيارها عقب إهمالها لجيشها الأصل واعتمادها على مليشيا الهمج غير النظامية، ولعل في ذلك عبرة لكن حكامنا لا يقرأون التاريخ.

لذلك نجد أنّ السّودان قد خطى خطوات إضافية في الإدارة والتنظيم في عهد السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور ومن قبلها الداجو والتنجور وتطورت الوحدة إيجابا مع محمد علي باشا الذي استمر حكمه وأسرته من بعده لمدة واحد وستين عاماً، لم تشهد فيها البلاد أي انشقاقات مناطقية أو جهوية، ثم جاءت الثورة المهدية قومية الاتجاه، ولم تكن أبداً حركة تمرد ضد السلطة المركزية وتمثل إقليما معيناً، ورغم ما شاب حكم الخليفة عبد الله من نزاع وشقاق أفضى في نهاية المطاف إلى زوال سلطته، إلا إن الدولة حافظت على وحدتها وتماسكها حتى دخول الاحتلال الانجليزي.

إن الجذور التاريخية لصراعات ما بعد الاستقلال التي قادتنا إلى حالنا البئيس اليوم تعود إلى فترة الاستعمار البريطاني الذي ذرع قنابل موقوتة داخلية بسياسة المناطق المغلقة والتي ضمت جنوب السودان وجبال النوبة والانقسنا وأقصى شمال دارفور و ذرعت مشكلة أبيي بين مديريتي كردفان وبحر الغزال وأردفتها بقنابل خارجية، فحدودنا مع كينيا قبل الانفصال ضم فيها مثلث اليمي إلى كينيا أما بنى شنقول التي كانت جزءاً أساسياً من السودان حتى قبل أن يأخذ شكله ذاك في عهد محمد علي باشا ضمت إلى إثيوبيا والتي الآن تحارب منها السودان، ومع مصر كانت قضية حلايب ماثلة ماضياً وحاضراً، كما إن سياسة المناطق المقفولة التي كانت سبباً أساسياً في دعاوى التهميش قد رسمها السير هارولد ماكمايكل السكرتير الإداري لحكومة السودان الانجليزي والذي ألف كتاباً اعتمدت عليه حكومته في إدارة السودان أسماه (تاريخ العرب في السودان)، في ذلك الكتاب تبنى ماكمايكل سياسة مناهضة لعقيدة أمومية نظم توريث النوبة التي ساد بها العرب المسلمون على النوبة في الشمال فدق اسفينا بين شطري البلاد بعد أن كانا رتقاً أيام السلطنة الزرقاء والحكم التركي والدولة المهدية كما سبق ذكره.

أما في العهد الوطني فقد كانت الممارسة السياسية للأحزاب سبباً أساسيا في جذور التدهور الحالي، فبعيد الاستقلال ازداد تناحر الأحزاب السياسية وبالتالي الحكومات وعندما عجز الحزبان الكبيران حينها، الأمة والوطني الاتحادي، عن حل خلافاتهما بعد أقل من ثلاث سنوات من الاستقلال وصلا حداً من التشاكس جعل رئيس الوزراء عبد الله خليل يهدم المعبد على نفسه والآخرين مسلماً قيادة البلاد للقوات المسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر عام 1958 وأول ما قام به عبود هو حل الأحزاب السياسية وتعليق الدستور مستنداً إلى التأييد الذي ناله من زعيمي الأنصار والختمية حينها واللذان كانا على علم بالانقلاب. و ما خيب عبود ظن رفيق السلاح السابق عبد الله خليل فعمل على استقرار البلاد لسنوات ست هي بحساب الدورات الانتخابية دورة واحدة أو دورة ونصف كما هو متوسط ما متعارف عليه في الأنظمة الانتخابية.

لقد شهدت البلاد في عهد عبود انجازات تنموية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والخدمية وقد خصصت لذلك مقالاً من جزءين مبذول على الشبكة العكنبوتية. غير أن حكومات الأحزاب المتعاقبة من لدن حكومة ما بعد أكتوبر وإلى الحكومة الانتقالية الحالية التي بلغت مدتها سبع سنوات متواصلة وغير معروف حتى الآن أمد هذا الانتقال، عجزت عن تحقيق ما يساوي أي مقدار من ذلك.

وليت المشكلة انتهت هنا ففي الحكومة التي أعقبت حكومة أكتوبر الانتقالية تشكل مجلسا سيادة ووزراء يتقاسمان و يتنازعان السلطات وتمثيل السودان في المؤتمرات الخارجية، حدث ذلك في القمة العربية في المغرب والقمة الأفريقية في غانا والقمة العربية في الخرطوم حيث كان كلاهما يمثلان السودان مما سبب حرجاً بالغاً للبروتوكول في تلك الفعاليات، فتخيل تلك كانت قيادتنا التي أنجزت الاستقلال.

نواصل،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى