أيبتغون عندهم العزة؟ … سنن السقوط من ملوك الطوائف إلى واقعنا المعاصر

أيبتغون عندهم العزة؟ … سنن السقوط من ملوك الطوائف إلى واقعنا المعاصر
د. الهيثم الكندي يوسف
قال تعالي في الآية 109 من سورة يوسف: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
وقال جل في علاه في الآية 111 من سورة يوسف: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ).
تحث الآيات أعلاه علي التفكر والتدبر في أحداث ومجريات الماضي وأخذ العظة والاعتبار منها، حتي لا نقع في نفس اخفاقاته أو كما قال رئيس الوزراء البريطاني تشرشل: (أولئك الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره). فمن لم يتعظ فلا يلومن إلا نفسه.
في التاريخ الإسلامي حكايا وقصص تثبت أن التحالف مع الآخر المتربص ضد الأخ المنافس ينتهي في العادة بانهيار الجميع تحت أقدام القوة التي استدعيت للتحالف أو الحماية.
ولعل أبرز تجليات هذه القصص تظهر في عصر ملوك الطوائف بالأندلس. حيث شاهدنا القصة في المسلسل الذي عرض على الشاشات في السنوات السابقة وكيف أن الدولة الواحدة انقسمت إلى دويلات ضعيفة، وبدأ أمراؤها يتسابقون لخطب ود ملك قشتالة (ألفونسو) ودفع الجزية له مقابل ضرب جيرانهم المسلمين. حيث كانت النتيجة أن ألفونسو لم يرض عن أحد منهم، بل استنزف أموالهم وقوتهم حتى تساقطت حواضرهم الواحدة تلو الأخرى .
وتكرر ذات المشهد في عصر الحروب الصليبية، حيث تحالفت بعض القوى المحلية في الشام مع الفرنجة (الصليبيين) لمواجهة قوى إسلامية كانت تنشد الوحدة. لكن التاريخ يخبرنا أن تلك التحالفات الخبيثة لم تمنع زوال تلك القوى وعلي العكس من ذلك، كانت سبباً في سقوطها عسكرياً أمام الزحف الذي قاده نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي لله درهم.
إن السنن الكونية لا تعمل بالمصادفة إنما تكون نتاج معادلات ثابتة، وهكذا نتعامل ونحن نثبت لطلابنا القوانين الرياضية وغيرها من القواعد والنظريات.
عندما تستبدل الدولة انتماءها الطبيعي (الجغرافي والديني والوطني) بتبعية لقوى استعمارية أو مشاريع غريبة عن بيئتها فإنها تدخل في مقامرة خاسرة وذلك لثلاثة أسباب رئيسة:
فقدان الحاضنة: تصبح الدولة معزولة عن محيطها القومي والإقليمي.
ارتهان القرار: يصبح بقاؤها مرهونا برضا القوة الخارجية التي لا تتحالف إلا لمصالحها، وسرعان ما تتخلى عنها عند أول منعطف سياسي أو أمني.
استنزاف الموارد: حيث تنفق الثروات في حروب بالوكالة بدلاً عن توجيهها للتنمية، مما يؤدي لسخط الجبهة الداخلية وبالتالي إضعافها.
(بالله عليكم أين تتحقق الآن الأسباب الثلاثة أعلاه؟!).
في واقعنا اليوم نشهد محاولات مستميتة لإعادة هندسة المنطقة عبر تحالفات تتجاوز الثوابت الجغرافية والتاريخية. إن السياسات التي تتبناها بعض القوى الإقليمية مثل الإمارات، في التدخل في شؤون دول كالسودان وسوريا وليبيا واليمن بدعوى تثبيت الأنظمة الموالية وإسقاط الأخرى أو بسط النفوذ السياسي والاقتصادي إنما هي قفزة في الظلام.
إن محاولة الاستقواء بالصهيونية العالمية أو القوى الكبرى لضرب وتفكيك الدول الوطنية القوية التي ترغب في أن تملك قرارها، ليست سوى استنساخ لتجربة ملوك الطوائف فالتاريخ يثبت أن القوى التي تستدعى للإقصاء لا تكتفي بالدور المطلوب منها، إذ تسعى أيضاً للهيمنة الكلية، وحينها لن تجد هذه الدول (المتآمرة) ظهيراً يحميها بعد أن تكون قد أحرقت كل الجسور مع أشقائها.
لقد حذر القرآن الكريم من مغبة هذا السلوك في آيات محكمات، موضحاً أن العزة لا تنال بالارتماء في أحضان المتربصين.
قال تعالي في الآية 139 من سورة النساء:
(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).
هذه الآية هي قاعدة سياسية تؤكد أن التحالف مع الخصوم التاريخيين للأمة لا يورث إلا المذلة والانهيار.
إن الدول التي تظن أنها بمأمن وهي تحيك المؤامرات لاخوانها وجيرانها واهمة. فالمطامع الدولية لا تتوقف عند حدود. فمن يفتح الباب للذئب ليأكل غنم جاره لن ينتظر طويلاً حتى يجد الذئب في بيته. إن وحدة المصير في منطقتنا ليست خياراً عاطفياً، إذ يجب أن تكون ضرورة أمنية وقومية، ومن يخرج عن هذا النسق التاريخي، فلينتظر مصير من سبقوه، فللتاريخ سننه التي لا تتبدل.



