هندسة التحول … من المقاومة إلى الشراكة في البناء

د. الهيثم الكندي يوسف
في نقاشنا السابق وبعد أن شخصنا دولة الغنيمة ووضعنا يدنا على آليات مقاومتها الهيكلية؛ فإننا الآن نود الإنتقال من تعريف هذه الآليات إلى كيفية التعامل معها، ليس بالقضاء على القوى التي تقاوم التغيير، ولكن بجعل تلك القوى شريكة في عملية التغيير. إذ إن فكرتنا تقوم على جعل التغيير يبنى على الحوافز التي تجعل الانخراط في (دولة الإنتاج) أكثر جدوى وموثوقية وأماناً للنخب من البقاء في (دولة الغنيمة).
في البداية دعونا نمعن النظر في خارطة هذه القوى المقاومة ونقوم بإزالة المخاوف وتفكيك الدوافع وإعادة التوجيه نحو رؤيتنا في الإصلاح، حيث تتطلب عملية التحول تفكيكاً دقيقاً لمصالح القوى الفاعلة وتحويل مسارها من الممانعة إلى المشاركة. واجمالاً فإننا نتحدث عن النخب (السياسية والعسكرية والاجتماعية والرأسمالية والخدمة المدنية) وسنتناول كل واحدة منها على حدة ونوضح مصالحها في الوضع القائم والحوافز التي يمكن أن تقدمها دولة الإنتاج وبيان وضعهم الجديد في نموذجنا المقترح:
1.النخب السياسية والحزبية: من سياسة تبادل المصالح إلى التنافس البرامجي.
الوضع الحالي: يعتمد بقاؤهم على تبادل المصالح (شراء الولاءات بالوظائف والمال العام).
استراتيجية التحويل: يجب ربط استدامة العمل السياسي بالقدرة على الإنجاز عبر سن قوانين تمويل الأحزاب التي تربط الدعم المالي بحجم الإنجاز التنموي في الدوائر الانتخابية، مما يجعل هذه النخب تضطر للتحول من وسطاء منح للسلطة إلى مزودي خدمات للمواطنين.
2.النخب العسكرية والأمنية: من حماية النظام فحسب إلى حماية الاقتصاد.
الوضع الحالي: تخوف وجودي من التفكيك يؤدي بهم للمقاومة.
استراتيجية التحويل: إعادة التعريف للعقيدة العسكرية بحيث تتحول المؤسسة العسكرية لتصبح ومع حماية الدستور حامياً لمشاريع الإستثمار والتجارة ورأس المال الوطني. أما الشركات المملوكة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، فيجب تحويلها لشركات مساهمة عامة تطرح أسهمها للشعب السوداني وقادة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى، وبهذا يتحول القادة العسكريون إلى مساهمين ومستفيدين من أرباح هذه المؤسسات وفي الوقت نفسه تساهم في نمو الاقتصاد الكلي.
3.النخب الاقتصادية والرأسمالية: من الاحتكار إلى المنافسة.
الوضع الحالي: يعتمدون على الامتيازات الحكومية والاحتكار والعطاءات غير التنافسية.
استراتيجية التحويل:
الأمان القانوني مقابل الامتيازات: إن أقوى محفز للرأسمالي هو حماية الملكية الخاصة، إذ يجب أن يجدوا بيئة قانونية تضمن حقوقهم ضد المصادرة مقابل التخلي عن الاحتكار.
الانتقال النوعي: توجيه رؤوس أموالهم من المضاربات في العملات والتجارة الهامشية إلى قطاعات الزراعة الحديثة والصناعات التحويلية والتصدير، عبر منحهم إعفاءات ضريبية مرتبطة بزيادة القيمة المضافة وبحجم العمالة التي يستوعبونها في استثماراتهم. عندما يدركون أن الربح في السوق الحر أكبر وأكثر استدامة من السوق المحمي سينتقلون طواعية لدعم الفكرة الجديدة.
4.الحركات المسلحة: من سلطة الأقاليم إلى إدارة التنمية.
الوضع الحالي: التنافس على حصص السلطة المركزية.
استراتيجية التحويل: تحويل اتفاقيات تقاسم السلطة إلى اتفاقيات تقاسم التنمية عبر إعطاؤهم دوراً قيادياً في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والتنموية في أقاليمهم. بهذا يصبح قادة الحركات مديرو مشاريع ومسؤولون أمام قواعدهم عن نجاح التنمية بدلاً عن كونهم مجرد شركاء سياسيين في نظام مركزي هش.
5.النخب الاجتماعية (الدينية وقيادات الإدارة الأهلية): من صمام أمان النظام إلى ضمانة السلم.
الوضع الحالي: يتم توظيفهم لشرعنة القرارات.
استراتيجية التحويل: إشراكهم في المجالس المحلية للعدالة والمصالحة الوطنية وخطط التنمية. فعندما يكونوا جزءاً من لجان توزيع واستثمار الموارد المحلية أو حل النزاعات المحلية، فإنهم سيتبنون الإصلاح باعتباره الوسيلة الأفضل للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية وضمان استقرار أتباعهم.
6.الخدمة المدنية البيروقراطية (موظفو الدولة): من معرقلين إلى ميسرين.
الوضع الحالي: البيروقراطية تقاوم التغيير خوفاً من فقدان الوظيفة.
استراتيجية التحويل: تطبيق نظام حوافز الأداء عبر الربط المباشر بين كفاءة الإنجاز (سرعة المعاملات، رضا المواطن) وبين المكافآت والحوافز. يجب أن يشعر الموظف أن الإصلاح ليس تهديداً لوظيفته، بل فرصة لرفع قيمته المهنية ومستوى دخله. كما ينبغي أن يتم تغذية الخدمة المدينة بالتكنوقراط لرفع كفاءة وفعالية الاداء.
إن أهم القوى التي يمكن أن تقاوم وتعرقل مشروعنا في الإصلاح هي القوي العسكرية (النظامية والحركات المسلحة والقوي التي تكونت في أعقاب قيام الحرب) حيث تسيطر هذه القوي فعلياً علي الأوضاع السياسية والاقتصادية حالياً، عليه فمن الصعوبة بمكان أن تتخلى عن كل هذه الامتيازات، لذلك قد نفرد لهذا الموضوع مقالاً خاصاً عندما يأتي الحديث عن الخروج من وضع الانتقال الشائه وما ألقي عليه من ظلال الحرب.
إن الحل وكما قدمنا يكمن في التحول وكيفيته، ما يعني أننا بصدد استراتيجية الاستيعاب بديلاً للإقصاء. إلا أنه قد يتبادر سؤال مهم وهو (كيف نضمن نجاح العملية؟).
نحن لا نزعم امتلاكنا الكمال أو أن رؤيتنا هي الصواب ومقترحات غيرنا خطأ، إنما هي محاولة لتحريك الجمود واليأس الذي اعترى الناس وهم يرون الفشل الحكومي والذي قاد في خاتمة المطاف الي الحرب التي نعيشها الآن.
المهم إننا إذ ندعو لإصطحاب النخب سالفة الذكر معنا في الاصلاح، لا ندعو للمهادنة مع الفساد أو حمايته، ولكن للتعامل الواقعي مع كتل المصالح وذلك من الذكاء بمكان بحيث نمنح مشروعنا في التحول فرصاً أكبر للنجاح، مع عدم إغفال مسألة العدالة لكل من يثبت تورطه في الفساد. وهنا ندعو لضرورة اتباع ما يلي:
التعاقد مع المستقبل: يجب أن نتوجه برسالة واضحة لكل تلك القوي بأن (دولة الغنيمة) مصيرها التلاشي سواء كان ذلك برضائهم أو جبرا. وأن البقاء فيها يعني السقوط معها وتحمل تبعات ذلك. أما (دولة الإنتاج) فهي الفكرة التي تتماشي مع تطلعات الناس والتي تضمن استمرار بقائهم بشكل قانوني.
خلق نماذج التميز: لا يمكن تغيير كل شيء في يوم واحد فالطريق طويل والعثرات المتوقعة كثيرة، لكن يمكن أن نبدأ بخلق مناطق اقتصادية حرة أو قطاعات إنتاجية وإدارية تعمل بمعايير الجودة والشفافية كنماذج أولية للتغيير الإداري والهيكلي. عندما يرى الجميع أن هذه النماذج تنجح وتزدهر ستحدث هجرة طوعية للنخب من فكرة دولة الغنيمة إلى نماذج النجاح الجديدة، وحينها يمكن نشر النماذج لتصبح هي المؤسسات الجديدة في الدولة.
المواطن كقوة ضغط: كلما شعر المواطن بوجود خدمات حقيقية (صحة، تعليم، أمان، مصادر دخل)، فإنه سيتحول إلى شريك يطالب باستمرار عملية الإصلاح، مما يجعل من الصعب على أي فئة مقاومة التغيير دون دفع ثمن سياسي عالي.
إن هندسة التحول هي فن إدارة الممكن. نحن لا نسعى إلى البتر بل إلى معالجة مواضع الخلل. إن إقناع قوي المقاومة بأن مصلحتهم في البناء هي جوهر العمل السياسي الراشد. لنبدأ بفتح الأبواب لكل من يرغب في الانخراط في دولة الإنتاج، فالمستقبل لن ينتظرنا طويلاً، فمن يزرع اليوم يضمن حصاد زرعه في الغد.



