رأي

أزمة ضمانات كشفت هشاشة الحماية ووضعت التمويل الأصغر أمام إمتحان البقاء

نعمان يوسف محمد **

 

لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة ضمانات التمويل الأصغر بوصفها خللاً عارضاً أو تعثراً ظرفياً يمكن تجاوزه ببعض المعالجات الإجرائية. وما تكشّف اليوم في واقع التمويل الأصغر هو أزمة بنيوية مكتملة الأركان، أزمة ضربت جوهر الثقة في منظومة الضمانات غير التقليدية، ووضعت واحداً من أهم أدوات الشمول المالي والتنمية الاجتماعية أمام إختبار مصيري.

فالضمانات غير التقليدية التي اعتُمدت لتمكين المؤسسات المصرفية ومؤسسات التمويل الأصغر من تمويل الشرائح الضعيفة وأصحاب المشروعات الصغيرة، لم تكن مجرد ترتيبات تنظيمية، بل كانت الأساس الذي بُنيت عليه قرارات التمويل، والمرتكز الذي إستندت إليه البنوك وشركات التمويل الأصغر في قبول مخاطر قطاع بطبيعته مرتفع الهشاشة. هذه الضمانات – من وثائق ضمان التمويل الأصغر إلى خطابات ضمان االتمويل الأصغر بالجملة وتغطيات خيانة الأمانة – قُدمت بإعتبارها أدوات حماية تعوض غياب الضمانات التقليدية، وتمنح المصارف مظلة أمان معقولة تمكنها من الإستمرار في أداء دورها التنموي.

لكن ما جرى عند أول إختبار حقيقي كشف أن هذه المظلة لم تكن سوى غطاء هش لا يقوى على مواجهة العاصفة.

فمع إندلاع الحرب وتعطل الأسواق وتوقف الأنشطة الإنتاجية وإنهيار قدرة العملاء على السداد، دخل قطاع التمويل الأصغر في حالة تعثر واسعة كان من المفترض أن تستوعبها منظومة الضمانات. فهذه هي اللحظة التي وُجدت الضمانات من أجلها؛ لحظة تحقق الخطر، لحظة إنتقال عبء المخاطر من الممول إلى الجهة الضامنة. غير أن ما حدث فعلياً أن الجهات الضامنة تراجعت، وشركات التأمين تنصلت، وآليات التغطية تعطلت، لتجد المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر نفسها في مواجهة الخسائر وحدها، بعد أن كانت تعتقد أنها تعمل ضمن منظومة حماية متكاملة.

وهنا لا بد من قول الحقيقة كما هي: إن الضمانات التي لا تعمل عند تحقق الخطر ليست ضمانات، بل ترتيبات تنظيمية باهظة الكلفة تفتقر إلى الفاعلية.

لقد كشفت الأزمة أن بعض الجهات الضامنة تعاملت مع إلتزاماتها بوصفها إلتزامات إنتقائية؛ تقبل الرسوم والأقساط في الظروف الطبيعية، لكنها تتراجع عند أول إستحقاق حقيقي. وهذا السلوك لا يمثل مجرد إخفاق في التنفيذ، بل يمثل إنهياراً في جوهر العلاقة التعاقدية، لأن معنى الضمان أن يتحمل الضامن أثر الخطر عند وقوعه، لا أن يتحول إلى طرف يبحث عن المبررات للتنصل من المسؤولية.

إن ما قامت به بعض شركات التأمين من تضييق في تفسير شروط التغطية، ورفض لمطالبات التعويض تحت دعاوى شكلية أو تصنيفات مجحفة للتعثر، لا يمكن النظر إليه كإدارة مخاطر مشروعة، بل هو في حقيقته إفراغ للضمان من مضمونه العملي. فالخطر الذي لا يغطيه الضمان عند وقوع الأزمات العامة ليس خطراً مضموناً أصلاً، والوثيقة التي تنهار قيمتها ساعة الحاجة ليست وثيقة حماية بل وثيقة إطمئنان زائف.

الأمر ذاته ينطبق على الضمانات المؤسسية الأخرى التي تعطلت أو لم تُفعَّل بالكفاءة المطلوبة. فحين تتعثر إجراءات التسييل، وتضيع المطالبات بين التردد الإداري وغموض المسؤولية، فإن النتيجة واحدة: الضمان يفقد فاعليته، والمصرف ومؤسسة التمويل الأصغر يتحملان العبء وحدهما.

وهنا تتجاوز الأزمة حدود الخسائر المالية المباشرة لتصل إلى مستوى أخطر بكثير، وهو تآكل الثقة في البيئة التنظيمية للتمويل الأصغر. فالمصرف الذي يكتشف أن الضمانات المعتمدة رقابياً لا توفر حماية فعلية وقت الأزمات، سيفقد الثقة في هذه الأدوات، وسينعكس ذلك حتماً على سياساته التمويلية. والنتيجة المتوقعة هي تشدد أكبر في منح التمويل، وإنكماش في المحافظ التمويلية، وتراجع في شهية البنوك تجاه القطاع، وهو ما يعني في نهاية المطاف إضعاف فرص التمويل أمام الفئات التي يفترض أن يستهدفها هذا القطاع.

وبذلك تصبح الأزمة الحالية أكثر من مجرد أزمة تعثر عملاء؛ إنها أزمة ثقة مؤسسية تهدد فعالية التمويل الأصغر كأداة تنموية. فالتمويل الأصغر لا يقوم على الضمانات العينية، بل يقوم على الثقة في بدائل الحماية المعتمدة. فإذا انهارت هذه الثقة، إنهار معها الأساس الذي يقوم عليه التمويل ذاته.

ولا تقف المسؤولية عند حدود الرقابة التنظيمية وحدها، بل تمتد كذلك إلى المرجعيات الشرعية التي كان يفترض أن تضطلع بدور حاسم في بيان الموقف الشرعي تجاه إلتزامات الضامن عند تحقق الخطر، وفي حسم مشروعية مطالبة مؤسسات التمويل الأصغر بسداد المضاربات المتعثرة الناتجة عن ظروف قاهرة خارجة عن إرادة العملاء. إن غياب الفتاوى الواضحة والحاسمة في هذه المسائل أوجد فراغاً مؤسسياً أتاح تعدد التفسيرات وتباين المواقف، الأمر الذي أضعف اليقين التعاقدي وفتح الباب أمام التنصل من الإلتزامات تحت مظلات إجتهادية غير منضبطة.

وحين تتردد المرجعيات الشرعية في حسم القضايا التي تمس جوهر العدالة التعاقدية، فإن ذلك لا ينعكس فقط على سلامة التطبيق، بل يضيف بعداً جديداً من الهشاشة إلى منظومة الحماية بأكملها، لأن غياب الحسم الشرعي في لحظة الأزمة يساوي عملياً غياب أحد أهم ضمانات الإنضباط في مؤسسات الضمان والتأمين والتمويل الإسلامي.

إن بقاء هذه المنظومة دون مراجعة جذرية يرسل رسالة خطيرة إلى السوق مفادها أن الضمانات ليست إلتزاماً حقيقياً بل ترتيبات شكلية، وأن الممول هو الحلقة الوحيدة التي تتحمل المخاطر كاملة، بينما تتوزع الأطراف الأخرى المنافع دون إلتزامات مقابلة. وهذه الرسالة، إن إستقرت، ستقوض أساس الثقة الذي يحتاجه قطاع التمويل الأصغر ليستمر.

إن الإصلاح المطلوب اليوم لا يحتمل المعالجات التجميلية. والمطلوب مراجعة شاملة لمعايير إعتماد الضمانات غير التقليدية، وإخضاع الجهات الضامنة لإختبارات ملاءة حقيقية، وإلزامها بتحمل إلتزاماتها عند تحقق المخاطر، لا الإكتفاء بوثائق تبدو متماسكة نظرياً بينما تنهار عملياً. كما أن المساءلة الرقابية يجب أن تكون واضحة وحاسمة، لأن أي تساهل في هذا الجانب يعني تشجيعاً ضمنياً على إستمرار النكوص وتقويض الثقة في النظام التمويلي.

لقد كشفت الأزمة الحالية حقيقة لا يجوز تجاهلها:

إن بعض الضمانات غير التقليدية لم توفر حماية حقيقية بقدر ما قدمت غطاءاً شكلياً للمخاطر، فبدت كأنها شبكة أمان، لكنها عند أول إختبار فعلي أظهرت قصوراً جوهرياً في قدرتها على الوفاء بوظيفتها، الأمر الذي كشف هشاشة الحماية وترك المؤسسات التمويلية في مواجهة الخسائر دون سند فعال.

وهنا تكمن خطورة المرحلة. فحين يشعر القطاع المصرفي والمؤسسات التمويلية بأن الضمانات غير موثوقة، فإن أول ما سيتضرر هو التمويل الموجه للفئات الهشة، لأن هذا القطاع يعتمد أصلاً على الثقة في بدائل الضمان. وبذلك لا تتحول الأزمة إلى مشكلة مصرفية فحسب، بل إلى تهديد مباشر لجهود الشمول المالي وتخفيف حدة الفقر ودعم الإنتاج الصغير.

إن المطلوب اليوم موقف رقابي وتنظيمي شجاع يعيد بناء الثقة على أسس حقيقية، لا على ضمانات اسمية. فإما أن تكون الضمانات قادرة على الوفاء وقت الأزمات، وإما أن يفقد وجودها أي معنى إقتصادي أو مصرفي.

فالضمان الذي يتعطل عند لحظة الخطر يفقد قيمته الوظيفية، والجهة التي لا تفي بإلتزاماتها عند الإستحقاق تُضعف منظومة إدارة المخاطر، أما الإطار الذي يسمح بإستمرار هذه الثغرات دون تصحيح حاسم، فإنه يحول أدوات الحماية إلى إلتزامات شكلية لا توفر الأمان المطلوب ولا تحقق الإستقرار المنشود.

وعليه فإن مستقبل التمويل الأصغر مرهون اليوم بحسم هذه المعادلة. فإما إصلاح جذري يعيد للضمانات معناها وملاءتها، وإما إستمرار فقدان الثقة حتى يصبح التمويل الأصغر نفسه ضحية لضمانات لم تصمد عند أول إختبار.

وإذا لم تتحول هذه الأزمة إلى نقطة مراجعة حاسمة، فإن الخطر القادم لن يكون تعثر العملاء، بل تعثر المنظومة بأكملها.

**مصرفي سابق – خبير التمويل الأصغر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ان الحديث عن الضمانات للتمويل الأصغر يعد مدخل للحديث عن وثيقة تأمين التمويل الأصغر
    التي تعد وثيقة شاملة لتغطية مخاطر التمويل الأصغر وهي تتكون من ثلاث حزم أولها التأمين المادي للشي موضع التأمين اي السلع أو البضاعه ويسمي في الثقافه التأمينية الشي موضع التأمين أو العين بعبارة أخري ثم التأمين التكافلي وهو يتحدث عن العميل الممول ويغطي التأمين حالة وفاته أو عجزه سداد المتبقي من المديونية بعد الإجراءات القانونية اللازمة. حيث في حالة الوفاة يعد المشروع ملك للوراث. والشق الأخير هو الإعسار أو تغطية الأعسار في حالة عجز الممول عن السداد للاقساط المستحقة وهو أيضا يخدع لإجراءات قانونية لازمه. من اتخاذ إجراءات قانونية من طرف الممول للعميل ثم نقل الحق للجهة أو الشركة المؤمنه التي تتولي الأمر.
    أن وثيقة تأمين التمويل الأصغر مثلها ومثل كل العقود تقبل فيها الشركات الخطر وفق محددات واشتراطات وتغطيات واستثناءات محددة منها الفنية مثل مثلا التطعيمات ضد الأمراض الشائعه والوبائية في حالات الثروة الحيوانية والدواجن.
    أن الإخفاق أو الضغط في تأمين الاعسار فقط وعدم فهم طبيعه الوثيقة من الجهات الممولة تضع الأمر في وضعية صعوبة التنفيذ. كما أن ليس هناك وثيقة تغطي كل الأخطار بل إن الوثيقة تغطي إخطار طبيعية احتمالية الحدوث ولا يوجد عاقل يتحدث عن لابد من تغطية الأخطار أكيدة الحدوث أو الأخطار الناجمة عن الحروب التي تنتقل بالخطر الي إطار الجريمه. وهنا السرقة التي تتحدث عنها الوثائق هي السرقات التي تقع في الإطار العادي الذي تنقل فيه الحقوق للشركة التي تتولي الأمر كجنحة مع الأجهزة القانونية والشرطية. كما أن القصور في الثقافة التأمينية والدراسات المتانية للخطر والمتابعه الدورية للمشاريع تعد من التحديات التي يجب الحديث عنها في إطار التجويد وليس الفشل.
    أن التأمين كحزمه تعمل علي المحافظة علي رأس المال واستمرار التنمية بصورة مستدامه هي ركيزة يعتمد عليها الجهاز المصرفي في كل الاقتصادات الناميه والعالمية ونحن في السودان بدل أن نركن الي
    الفشل لما لا نعمل علي أثرا التجارب ومناقشتها وتجويده وصقل الكوادر وفرق العمل التي تقوم علي المشروعات من ضباط التمويل وإدارة المخاطر وفنيي التأمين. ووضع أقساط التأمين المجزية التي تستند علي حجم المخاطر وان تتكفل الجهات الممولة بدفع قسط الاعسار والعميل الممول قسط التأمين المادي وشركات التأمين إدارة الخطر وتقليل الخسائر برعاية المشاريع وتقديم الدعم الفني واللوجستي للنهوض بالتجربة ونجاحها عبر الزيارات الميدانية والمتابعه الدورية. وتجربة تأمين التمويل الأصغر في السودان تعد من التجارب الواعدة الناجحة التي يمكن البناء عليها وتجويدها ولكن في رأي انها تقابل بعدم فهم للثقافة التأمينية والرأي شخصية تناهض فكرة تأمين المادي وتقوم باجراء المطالبه بدون معرفه ودراسة الوثيقة وهي تحديات كما ذكرت آنفا تحتاج لدراسة التجارب الناجحة وتكاتف جميع الأطراف العملية في النظر للأمر كمخرج اقتصادي للأسر والأفراد والجمعيات وإدارتها كحزمه واحدة بتطبيق عملي حقيقي غير نظري أو شكلي للمشروعات.
    مما يحقق المكاسب الاقتصادية المرجوة من عمليتي التمويل والتأمين لتكون روافع اقتصادية تفيد الاقتصاد والمجتمع والتنمية المستدامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى