تقارير

من الخرطوم سلام (2).. سلسلة مشاهدات يرويها رئيس التحرير

 

يلا يا اولاد المدارس
ربما كان من محاسن الصدف أن داري تقع بجوار مدرستين متوسطتين، إحداهما للبنات والأخرى للبنين، وبينما أنا منهمك في متابعة المواد التي أنتجها صحفيو “المحقق” ومواد الرأي التي يرفدنا بها الكتاب، صباح الخميس الماضي الموافق الثلاثين من أبريل، إذا بصوت طالبات المدرسة المجاورة يشق أذنيّ وهنَّ يؤدين النشيد الوطني:

نحن جند الله، جند الوطن
إن دعا داعي الفداء لن نخن

ثلاث سنوات، منذ أن غبتُ عن هذا الصوت:
إنه صوتي أنا
ابنة النور أنا
أوتدري مَن أنا
أنا بنت اليوم أسباب الهنا
أنا من دنياكمو أحلى المنى

رحم الله الأديب الراحل أحمد محمد صالح الذي صاغ “نشيد العلم” ورحم العقيد أحمد مرجان الذي لحنه، ورحم الله الأديب والفنان عبد الكريم الكابلي الذي صاغ ولحّن وغنى “إبنة النور”..
أصدقكم القول أني أخذت أغالب دموعي، وأحاول أن أستوعب اللحظة بينما كنت أستمع إلى طالبات المدرسة وهنّ يؤدين النشيد.. فأنا منذ ثلاث سنوات لم أسمع النشيد الوطني، يُغنى منفرداً وعلى الهواء مباشرة، كنت أسمعه في بلاد المهجر مقروناً بأناشيد الدول التي آوت السودانيين الذين هاجروا أو لجأوا إليها، وغالباً ما يكون مسجلاً مبثوثاً عبر السماعات!!
في مدرسة البنين المجاورة، يبدأ طلاب المتوسطة يومهم بالنظافة والتشجير في ساحة المدرسة الداخلية، يتأكدون من أن الأشجار التي زرعوها قد تمت سقياها، ويجمعون ما حملته الرياح من أكياس الأسمنت الفارغة وأكياس البلاستيك وأوراق الشجر إلى فناء المدرسة، وأحياناً يخرجون لنظافة الشارع أمام مدرستهم، قبل أن ينتظموا في الطابور الصباحي لأداء نشيد العلم، وقد آليت على نفسي أن أزور المدرستين، وأتفقد أحوالهما لأتعرف أكثر على ما قد يكون متاحاً عكسه في الإعلام من نواقص يحتاجها الطلاب أو الأساتذة وهم يؤدون مهمتهم الجليلة.

رئيس التحرير من الخرطوم – خاص المحقق

أفراح الخرطوم بحري
أديت صلاة الجمعة أمس في مسجد صغير بجوار المنزل، كنا نؤدي فيه صلاة التراويح قبل أن تشعل المليشيا حربها في العام 2023، دخلت فوجدت الإمام قد صعد المنبر، فأنا لم أضبط برمجة ساعتي البيولوجية بعد.. وما لفت نظري أن المسجد الصغير الذي كان يتسع لخمسة صفوف أكمل ثلاثة فقط حين أقيمت الصلاة، كانوا خليطاُ من كبار السن – مثلي – ومن الشباب، وعقب انتهاء الصلاة ذكّرنا الإمام ألاّ ننسى التبرع للمسجد الذي يحتاج إلى صيانة المراوح وتغذية عداد الكهرباء، وتأهيل الفرش، فلم يبارح المصلون أماكنهم إلاّ بعد أن أدخل كل واحد منهم يده في جيبه، ووضع في صندوق التبرعات ما تيسر فحمدت الله أن الناس ماتزال تحرص على رعاية بيوت الله ولو بالقليل من مال الله الذي آتاهم.

برج وزارة الاستثمار – خاص المحقق

عقب الصلاة، كنت على موعد مع الصديق العزيز المهندس عبد الرحيم محمد خير، الذي يقيم في حي الصحافة، جنوبي الخرطوم، ريثما يكمل صيانة منزله في حي “المدينة الرياضية” التي فعلت المليشيا ببيوتها ما فعلت، ثم أتى “الشفشافة” فـ”تموا الناقصة” ، و قد تبرع مشكوراً أن نترافق إلى الخرطوم بحري لمشاركة أسرتين كريمتين في حفل زفاف أبنتهم وابنهم، وكانت بالنسبة لي سانحة لا تقدر بثمن، ليس فقط للقاء مع زملاء دراسة جامعية أعزاء فرقتنا ضروب الحياة قبل أن تفرقنا ظروف الحرب، وإنما أيضاً لاستكشاف طبيعة الأوضاع في الخرطوم المدينة وفي الخرطوم بحري، خاصة وأن مجموعات الواتس آب، كانت لحظتها منخرطة في جدل محموم حول المهددات التي تحيط بالخرطوم، وتتحرك داخلها.


أتاني المهندس عبد الرحيم من الصحافة إلى الجريف غرب، وسلكنا سوياً شارع الستين متجهين نحو الشمال الجغرافي، إلى نهاية الشارع عند تقاطعه مع شارع كبري المنشية، لفت انتباهي ونحن نسير عدد العربان “المهكرة” أمام قسم شرطة الرياض، وكانت على يسارنا أحياء الطائف والرياض وسريحة امتداد ناصر التي كان السماسرة ينسبونها لحي الرياض حتى يرفعوا من قيمة عقاراتها، وعلى يميننا أحياء الجريف والحارة ج والمنشية.. تدفق الحركة في الشارع كان طبيعياً، المواصلات العامة تعمل، وبعض الناس يسيرون راجلين، وحركة السيارات الخاصة من مختلف الموديلات لا تكاد تنقطع.
مررنا بمستشفى “رويال كير” لكننا لم نقف على أطلالها الدارسة، واتجهنا إلى شارع المعرض ونحن نشق أحياء البراري، ثم اتجهنا غرباً بشارع المعرض حتى مقابر بري قرب نادي الشرطة، ثم صعدنا إلى كبري القوات المسلحة فسلكناه إلى نزلة كوبر، ثم اتجهنا غرباً والسجن الاتحادي على يسارنا حتى موقف شندي، ثم سلكنا شارع الإنقاذ حتى تقاطع الأزهري، وشاهدنا أسراً بصغارها تتجمهر أمام “حديقة عبود”، ومع تقاطع الأزهري اتجهنا غرباً إلى شارع المعونة.. وفي كل هذه المسارات كانت الشوارع نظيفة والحركة فوقها طبيعية، ولا مظاهر عسكرية إلا رجال الشرطة الذين يقفون في بعض الارتكازات ورجال المرور الذين يراقبون الحركة، الشارع الوحيد الذي بدا مهترئاً ومتسخاً هو شارع الزعيم الأزهري، في جزئه بين شارعي الإنقاذ والمعونة.. حتى أني همست في أذن صاحبي أنه ربما كان من المجدي حث رجال المال والأعمال الاتحاديين بأن “هلموا لصيانة شارع الزعيم”!

وكالة السودان للأنباء – خاص المحقق

في صالة الفرح
كنا متجهين إلى صالة “فيتونيا” قرب مسرح خضر بشير في شمبات، وقد لفت نظري كذلك أكوام السيارات “المهكرة” التي جمعتها السلطات المختصة في ميدان شمبات، لم أقف على عددها بالضبط، لكنها من الناحية الإجمالية تزيد عن المائة من السيارات الصالون مختلفة الأحجام والموديلات.. ثم واصلنا المسير حتى مكان المناسبة فوجدنا عرسين في صالتين متجاورتين، فبجانب فيتونيا وجدنا “درة بحري”، والناس من مختلف الأعمار يقبلون للمشاركة في الأفراح وتناول وجبة الغداء.

اختارت ابنتنا الدكتورة إستبرق عصام الدين، وزوجها المهندس محمد صلاح، أن تكون الأناشيد والدفوف هي ما يشنفون به أذان الحاضرين، ومع تجاوب الحاضرين مع الأناشيد، لفت نظري كثرة أهل الهندسة من خريجي جامعة الخرطوم، وهم زملاء والد العروس، وقد إنهمك الناس في السلام ومعرفة أخبار بعضهم وفاضت الصالة بالحضور..

ونحن نهم بمغادرة مكان الاحتفال بعد أن ودعنا أسرتي العرسان ودعونا لهم بالبركة، لفت نظري شاب نحيل الجسم في زي عسكري، كان ضمن الذين حضروا المناسبة وخرج لأداء صلاة العصر في مسجد قريب، إقتربت منه فإذا به المجاهد أويس غانم.. يا لها من فرصة للتبرك بمصافحة هؤلاء الشباب الذين باعوا أنفسهم لنصرة الدين وحماية البلاد والأعراض تحت راية القوات المسلحة.. صافحته واستأذنته في أخذ صورة فرحب بتواضع..

في الوقت الذي كان فيه أويس غانم وبعض رفاقه يشاركون أسرة سودانية أفراحها في شمبات، كان القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يزور مسيد الشيخ حمد النيل في تخوم أحياء أمبدة بأم درمان، وينتقل إلى حي الملازمين شرقي أم درمان القديمة لتعزية الأمير عبد الرحمن الصادق وأسرة الإمام الصادق المهدي في فقد حفيده الذي توفي في جنوب افريقيا.. وفي نفس الوقت كانت مجموعات على السوشال ميديا وفي مجموعات الواتس آب تحديداً تتجادل حول مستويات الأمان في ولاية الخرطوم!!

العمارة الكويتية – خاص المحقق

في طريق العودة
طلبت من المهندس عبد الرحيم، أن نختار طريقاً آخر للعودة، وأن يتوقف بي برهة في ميدان شمبات لأخذ صورة من كوم العربات، فاستجاب بلا تردد، وهناك بجانب العربات وجدنا صبية يلعبون كرة القدم في جزء من الميدان، ألقينا عليهم التحية و واصلنا المسير بشارع المعونة حتى نهايته، ودلفنا نحو كبري المك نمر، وفي منتصفه تذكرت وصية بعض الزملاء الذين طلبوا أن أقف لهم على أطلال العمارة الكويتية، والتي كانت أحد أبرز مقرات مؤسسات الإعلام الخاص والمراسلين، فاستوقفت صديقي عبد الرحيم، وصورت فيديو قصير لمنظر المبنى من على كبري المك نمر ومبنى الكنيسة الذي يقف بجواره .. والتفت يميناً فألقيت التحية على مقر وزارة الخارجية، ثم واصلنا إلى تقاطع المك نمر مع الجمهورية، حيث مقر الهلال الأحمر السوداني الذي تدكر تماماً..

سلكنا شارع الجمهورية، متجهين شرقاً حيث عمارات الضمان الاجتماعي ومبنى وكالة السودان للأنباء، وقد احترقت واجهاتها جميعها، وكذلك مبنى اتحاد المصارف عند تقاطع شارع الجمهورية مع شارع القيادة العامة.. ثم تركنا القيادة العامة على يميننا وواصلنا حتى نهاية سور أرض المعارض بـبري، وعدنا من حيث أتينا إلى الجريف غرب.

وسط الخرطوم – خاص المحقق

عبر هذه الرحلة كنت أشاهد الحياة عامرة في مواقع حيث الأسواق والمواصلات، وضامرة في مواقع أخرى حيث لم يستأنف نشاطه من الكافتيريات والمطاعم والمغالق والصيدليات إلا القليل، ويتجلى هذا المشهد أكثر في منطقة شرق الخرطوم التي تضم الرياض والطائف والمعمورة، وجانباً من أركويت، مع اختلافات نسبية هنا وهناك، أما قضية الأمن والأمان فلم تعد تثير قلق أحد..

في المشاهدات القادمة، إن شاء الله، نتحدث عن “المعايش”، عن الكهرباء ومتطلبات الحياة الأخرى، وعن العقبات التي تواجه الذين يرغبون في استئناف أعمالهم الصغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى