
القاهرة- المحقق- صباح موسى
في أجواء فنية لافتة تعكس حضور السينما السودانية على الساحة الإقليمية، شهدت القاهرة أمس “الإثنين” العرض الخاص لفيلم “ملكة القطن” للمخرجة سوزانا ميرغني، وسط حضور صُنّاع العمل ونخبة من الفنانين والنقاد، وسبق العرض لقاءات مفتوحة مع وسائل الإعلام جمعت فريق الفيلم، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بهذا العمل الذي حظي بإشادات نقدية واسعة منذ عرضه العالمي الأول، إلى جانب تتويجه بعدة جوائز دولية.
محطة جديدة
ويأتي هذا الحدث بالتزامن مع بدء طرح الفيلم في دور العرض المصرية، ليشكل محطة جديدة في مسيرته، خاصة بعد النجاح الذي حققه في مهرجانات عالمية، وتناوله قضايا إنسانية واجتماعية تعكس واقع السودان وتحدياته، في ظل ظروف إنتاج استثنائية فرضتها الحرب واللجوء، وكانت الأمسية بمثابة لحظة ثقافية مميزة احتضنتها القاهرة، حيث التقت السينما مع واقع إنساني معقد، لتعكس حكايات شعب يواجه تحديات قاسية، ورغم ما يمر به السودان من حرب وعدم استقرار، يثبت صُنّاع الفيلم أن الإبداع لا ينكسر أمام الأزمات، بل يولد منها أكثر قوة وعمقا، حاملاً رسالة تتجاوز حدود الشاشة، مفادها أن الفن يظل أحد أهم أشكال المقاومة الناعمة، ووسيلة للحفاظ على الهوية والذاكرة في أوقات الاضطراب. ومن قلب القاهرة، يبعث “ملكة القطن” برسالة أمل تؤكد أن صوت السودان سيظل حاضرًا مهما اشتدت الظروف، وأن الإبداع قادر دائمًا على شق طريقه حتى في أحلك اللحظات.

التجربة الثانية
من جانبها أكدت الفنانة السودانية ميهاد مرتضى بطلة الفيلم، أنها تجمع بين التمثيل والغناء، مشيرة إلى أن دورها في “ملكة القطن” يُعد ثاني تجاربها الفنية، بعد مشاركتها في الفيلم السوداني القصير “الست” عام 2020، والذي جمعها أيضًا بالمخرجة سوزانا ميرغني ونفس فريق العمل.
صراع داخلي
وقالت ميهاد في تصريح خاص لـ “المحقق” إن قصة الفيلم تسلط الضوء على التباين داخل المجتمع النسوي السوداني، موضحة أنه يقدم نموذجين مختلفين: الأول لامرأة قوية تفرض سيطرتها وتحظى بهالة من الهيبة، والثاني لشخصية نفيسة الفتاة البسيطة التي تسعى لتحقيق أحلامها الصغيرة والعيش بحرية، لكنها تصطدم بقيود الأسرة وتوقعاتها، سواء من والديها أو جدتها التي ترغب لها في مسار مختلف، مضيفة أن الفيلم يعكس صراعًا داخليًا تعيشه الشخصية بين رغباتها الشخصية وضغوط العائلة، وهو ما يتجلى بوضوح في علاقتها مع أفراد أسرتها.
التصوير في مصر
وأوضحت ميهاد أن تصوير الفيلم تم في مصر بسبب ظروف الحرب في السودان، مشيرة إلى أن فريق العمل بذل جهدًا كبيرًا للعثور على بيئة قريبة من البيئة السودانية، قبل اختيار إحدى مزارع القطن في القاهرة، حيث تم بناء قرية متكاملة تحاكي الواقع السوداني بدقة، وقالت إن نجاح تجربتهم السابقة في فيلم “الست” منحهم ثقة كبيرة في قدرة “ملكة القطن” على تحقيق صدى واسع، لافتة إلى أن الفيلم يتميز بخفة ظله وقربه من الجمهور، مشيرة إلى أن العمل في مصر كان أكثر سهولة نظرًا للتقارب الثقافي واللغوي، فضلًا عن التشابه في البيئة والطبيعة، معتبرة أن مصر تُعد الأقرب للسودانيين من حيث الثقافة العامة، معربة عن أملها في أن يحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا في دور العرض المصرية، كما كشفت عن وجود محاولات لعرض الفيلم في السودان خلال الفترة المقبلة.
صورة واقعية
ولفتت بطلة الفيلم إلى أن المخرجة سوزانا ميرغني، سودانية الأب وروسية الأم، تقيم في قطر، وتعمل باحثة أكاديمية، حيث أجرت دراسات متعددة حول السودان وعاشت فيه لفترة، وهو ما انعكس على رؤيتها الفنية، إلى جانب الاستعانة بفريق عمل لديه خبرة ومعايشة حقيقية للبيئة السودانية، ما أسهم في تقديم صورة واقعية داخل الفيلم، معتبرة أن “ملكة القطن” يمثل بداية لجيل جديد من صُنّاع السينما السودانية، الذين يمتلكون أفكارًا واعدة لكنهم يواجهون تحديات في التنفيذ، خاصة في ظل اعتماد كثير من الإنتاجات على الجهود المستقلة، مؤكدة أهمية دعم هؤلاء الشباب لإنتاج أعمال قادرة على المنافسة.

رؤى جديدة
وأشارت ميهاد إلى أن الفيلم يأتي ضمن موجة من الأعمال التي تعكس عودة السينما السودانية، إلى جانب فيلم “ستموت في العشرين” للمخرج أمجد أبو العلا، وفيلم “وداعاً جوليا” للمخرج محمد كردفاني، إضافة إلى عدد من الأفلام الوثائقية، مؤكدة أن السودان يشهد تطورًا ملحوظًا في هذا المجال مع بروز رؤى وأصوات جديدة، وختمت برسالة إلى المرأة السودانية في ظل الحرب، دعتها فيها إلى التمسك بالقوة، مؤكدة أنها تمثل ركيزة المجتمع وأساس كل بيت، كما وجهت رسالة لكل من ارتكب انتهاكات بحق النساء في الحرب بالسودان مشددة على أن العدالة ستبقى قائمة، وأنه عند الله تجتمع الخصوم.
قصة الفيلم
يُذكر أن فيلم “ملكة القطن” من تأليف وإخراج سوزانا ميرغني، وبطولة ميهاد مرتضى، ورابعة محمد محمود، وطلعت فريد، وحرام بشير، ومحمد موسى، وحسن كسلا. وتدور أحداثه في قرية سودانية تعتمد على زراعة القطن، حول فتاة تُدعى “نفيسة” تنشأ على قصص المقاومة ضد الاستعمار التي تحكيها جدتها، قبل أن تتغير حياتها مع وصول رجل أعمال يسعى لإدخال تقنيات زراعية حديثة باستخدام بذور معدلة وراثيًا، ما يشعل صراعًا بين التقاليد والتحديث ويضعها أمام اختبار حاسم يتعلق بمستقبل قريتها وهويتها.
وقد حصد الفيلم عددًا من الجوائز الدولية، كان آخرها جائزة لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم (القناع الفضي) في الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، في تأكيد جديد على حضوره اللافت في المشهد السينمائي الأفريقي والدولي.



