الذهب والفرصة الضائعة بسبب ارتباك السياسات

حبيب الله عبد الوهاب **
تعكس الإحصاءات الرسمية أن الحكومة ومنذ سنوات خلت قد تبنت سياسات شبه ثابتة بشأن التعامل مع صادرات الذهب في رأينا لم تكن موفقة بالقدر الكافي كما لم تكن بقدر التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد حيث أدت هذه السياسات وبصورة واضحة إلى حرمان الميزان التجاري من التأثير الإيجابي لعائداته كما شجعت و بشكل غير مباشر على هروبه عبر القنوات غير الرسمية، فقد قضت منشورات إدارة السياسات لدى بنك السودان التي صدرت مؤخراً بحصر استخدام حصائل صادر الذهب في استيراد السلع التي تصنف بأنها استراتيجية و هي على وجه التحديد (الوقود + الأدوية + القمح) هذه الواردات كما تشير الإحصاءات الرسمية لا تتجاوز نسبتها 30% فقط إلى جملة الواردات الكلية و هي نسبة لا تستوعب الحجم الكبير لحصائل الذهب خصوصا ما تم إنتاجه خلال العامين السابقين، و كنتيجة لذلك وجد مصدرو الذهب أنفسهم مضطرين أمام خيارين أحلاهما مر ، الأول ابتزاز مستوردي السلع الاستراتيجية الذين عادة ما يطمعون في الحصول على سعر صرف متدني يعظم لهم مكاسبهم التجارية و هو سلوك طبيعي تفرضه لغة السوق، أما الثاني فهو مهلة الــ 21 يوم التي حددها البنك المركزي كأقصى فترة زمنية تبقى فيها الحصيلة في حساب المصدر بعدها تؤول له و بالسعر الرسمي مما يبدو أنه الدافع الحقيقي وراء تفضيل مصدري الذهب لخيار التهريب رغم مخاطره، فهي فرصتهم الذهبية (ست الاسم) و الفرصة عند التجار كما هو معروف تحسب بميزان الذهب نفسه لأن الربح في حد ذاته يعتبر مخاطرة محسوبة، يأتي هذا في الوقت الذي يدرك فيه متخذ القرار أن الذهب المعلن عن إنتاجه يغطي بقية الواردات بنسبة كبيرة جداً إذا ما سمح بتخصيص حصائله لكلها أو بيع الحصيلة لأي مستورد آخر داخل أو خارج مصرف المصدر.
و لعل الحقيقة تبدو واضحة من خلال الأرقام الرسمية، ففي العام 2022 أي قبل الحرب بسنة بلغت الواردات المصنفة بالاستراتيجية (القمح + الوقود + الادوية) 3.18 مليار دولار و هي تمثل 29% من جملة الواردات التي بلغت 11 مليار دولار و قد بلغ حجم الواردات الاستراتيجية 34 % في العام 2024 (بعد الحرب) أو (1.70 مليار دولار) حيث كانت جملة الواردات 4.91 مليار دولار أما في العام 2025 م فقد جاءت النسبة مشابهة للعام 2022 إذ بلغت 29% من جملة الواردات، فجملة الواردات كانت 6.50 مليار دولار فيما بلغت السلع الاستراتيجية 1.87 مليار دولار .
لكن الأزمة الحقيقة تختفي خلف أرقام أخرى هي أزمة تواري الذهب عن الظهور وهروبه إلى حيث يعلم الجميع، ففي العام 2022 تسربت حوالي 7 طن بلغ متوسط قيمتها وقتئذ 529 مليون دولار فيما بلغت قيمة الذهب المتسرب في العام 2024 م حوالي 2.84 مليار دولار حسب الأسعار التي وردت في الإحصاءات الرسمية آنذاك لكن في العام 2025 تجلت الصدمة الكبرى بتواري 55.43 طن أي ما يعادل 5.78 مليار دولار وهو ما يفسر لنا عمق الأزمة الحالية التي يعاني منها الاقتصاد القومي.
من المفارقات التي تدعو إلى الحسرة أن ميزان التجارة الخارجية للبلاد ظل يعاني من عجز مزمن و لسنوات عديدة في الوقت الذي تتسرب فيه عائدات الذهب و بحجم كبير دون أن تتخذ بشأنها أي تدابير جادة تمنع التهريب و من ثم تعيد إلى الميزان التجاري توازنه فتتمكن العملة الوطنية بعد بناء احتياطي كافي من النقد الأجنبي من الوقوف على قدمين أمام سلة العملات الأجنبية الأخرى، فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن السنوات الثلاث الأخيرة قد عانى فيها الميزان عجزاً بائناً إذ تجاوزت فيها قيمة الواردات قيمة الصادرات، ففي العام 2022 بلغ العجز 6.70 مليار دولار فيما بلغ 1.78 مليار دولار في العام 2024م أما العام 2025 فقد تكبد الميزان التجاري عجزاً بلغت قيمته 3.86 مليار دولار .
ونحن إذ نتناول تداعيات هروب عائدات الذهب لا بد لنا أن نستعرض بعض الاستفهامات التي تحوم حول ذات العجز الذي أصاب الميزان التجاري.
يقفز الاستفهام الأول حول قيمة العجز نفسه، فحقيقة العجز أنه قيمة الواردات الفعلية التي لم تغطيها حصائل الصادر في ظل عدم وجود فرضية تمويل تجاري قصير الأجل، لأن خيار التمويل يحمل مخاطر سعر الصرف بالنسبة للمستورد وهي مخاطر حقيقية وعالية كما يحمل مخاطر السداد بالنسبة للممول نظراً لظروف السودان الاقتصادية وإمكانية عدم الوفاء بسداد القرض في تاريخ الاستحقاق فهو إذاً خيار غير مناسب بالنسبة للطرفين في آن واحد، ويبقى السؤال من أي المصادر تمت تغطية قيمة العجز؟
أما الاستفهام الثاني يلتف حول شركات الاستثمار ذات الامتداد الأجنبي و هي التي عادة ما تكون في سباق مع الزمن نحو المحافظة على قيمة أصولها الاستثمارية من التأكل بسبب تدهور قيمة الجنيه السوداني بالإضافة إلى تأمين أرباح الشركاء الأجانب و إعادة تحويل رأسمالها بالعملة الأجنبية و هو ما قد يتطلب الحصول على حصيلة كافية من النقد الأجنبي عبر البنوك التجارية كما جاء نصه في منشور إدارة السياسات رقم 07/2026 ( البنك المركزي) فالسؤال، هل تمكنت هذه الشركات من الحصول على التغطية المستهدفة و المناسبة لأصولها الاستثمارية و أرباحها خلال ذات السنوات الثلاثة التي خلت عبر البنوك التجارية أم أنها ربما اضطرت إلى الحصول على هذه التغطية عن طريق الاستحواذ على (الذهب) بطريقة أو بأخرى دون اللجوء إلى البنوك التجارية و دون اعتبار لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي لسنة 2020 ؟
الإجابة الصحيحة قطعاً هي التي ستعيد إلى للميزان التجاري توازنه وهي بالطبع لدى متخذ القرار.
تداعيات خطيرة تترتب على الخلل الذي يتعرض له الميزان التجاري جراء الارتباك البائن في سياسات البنك المركزي فيما يتعلق بالتعامل مع حصائل الذهب و عدم واقعيتها، فالخلل ليس أزمة عابرة أو حدث منفصل بل هو مقدمة لأزمات يترادف بعضها فوق بعض ذلك لأن العجز التجاري يفسر لنا ضعف العملة الوطنية كما يؤشر بوضوح إلى ارتفاع معدلات التضخم الذي هو في الأساس ترجمة للوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه المواطن، تدهور قيمة الجنيه السوداني يقود إلى نمو طلب طفيلي سرطاني، إذا صح التعبير ، على المعروض المتوفر من العملة الصعبة خارج الجهاز المصرفي من قبل تجار العملة بغرض التكسب غير المشروع و الطلب التلقائي من قبل المواطن العادي الذي يخشى على مدخراته بالعملة المحلية من التلاشي بسبب تدهور قيمة العملة الوطنية، هذا طلب و إن لم تتوفر له البيانات الكافية إلا أنه ملموس و له تأثير لا ينكره أحد، وهو ما نعرفه بالسوق الموازي أو السوق الأسود
هذا الطلب الطفيلي سيدفع العملة الوطنية في ظل ارتباك السياسات النقدية و التجارية إلى مزيد من التدهور إذا لم تتمكن الجهات المعنية بإدارة الشأن التجاري والنقدي في البلاد من تدارك الأمر بالسرعة المطلوبة.
ختاماً نهمس في أذن متخذ القرار لدى وزارة التجارة والصناعة والبنك المركزي إلى ضرورة تبني سياسة وقائية واقعية تأخذ في الاعتبار الحدود المسموح بها من المرونة في التعامل مع حصائل الذهب وحصائل الصادرات الأخرى كما تأخذ في الاعتبار تعويض فاقد الصادرات الزراعية بأخرى مثل الذرة الرفيعة بيد أن هذا لن يكون كافياً إلا إذا تزامن مع تفعيل آلية القانون بالصرامة الكافية فلن تقوم السياسات على رجلين بدون جرعة انضباط قانونية تتناسب مع مستوى المرض و بالمثل لن تفيد هذه الإجراءات الإدارية والقانونية شيئا دون سياسات متوازنة.
** خبيـر تجــارة دولية



