الذهب السوداني ومليارات الباز … من “اقتصاد الغنيمة” إلى “بنيوية القيمة”

د. الهيثم الكندي يوسف
اطلعت على مقال الأستاذ عادل الباز في ما يراه “مَن المسؤول عن إهدار 10 مليارات دولار؟”، وهو تساؤل مشروع يلامس الأزمة الراهنة. والحقيقة أن لغة الأرقام التي أوردها الكاتب صادمة بقدر ما هي محفزة علي أن أجعلها استمرارا للسلسلة التي أعمل عليها والمتعلقة بالانتقال من دولة الغنيمة إلى دولة القيمة. فأن يُحقق الذهب عوائد تصل إلى 13 مليار دولار فهذا يعني أننا أمام مورد يتجاوز عوائد النفط السوداني في أزهى عصوره “بداية الألفية”، حين كان الإنتاج يلامس 500 ألف برميل يومياً بعوائد متوسطها 11 مليار دولار سنوياً.
تلك الحقبة النفطية التي انعكست استقراراً في سعر الصرف “الدولار بـ 2 جنيه لسنوات” وتنمية في البنى التحتية. إلا أنها حملت بذور الفشل الذي نعيشه اليوم، وهو ما يعرف اقتصادياً بـ “المرض الهولندي”، حيث أدى الاعتماد على مورد ناضب واحد إلى شلل في القطاعات الإنتاجية الأخرى، فكان انفصال الجنوب في 2011 بمنزلة الصدمة التي كشفت عورة اقتصاد لم يستعد لمرحلة ما بعد النفط.
صحيح أن البترول كانت جل عوائده تعود للحكومة، والقليل يذهب للشركات الأجنبية التي شاركت الحكومة في مشروع الاستخراج. بينما الذهب في أغلبه يعود للتعدين الأهلي مما يعني أن استفادة الدولة منه لا تتجاوز العوائد الجليلة، بالإضافة لمساهمته في تحسين الميزان التجاري، وهو المؤثر الرئيسي في تحديد أسعار الصرف. ولعل الباز قد وضع من المقترحات والتدابير ما من شأنه أن يعظم الإستفادة الحكومية من مورد الذهب، وقد وفق في ذلك حسبما أري.
إجابة على السؤال الذي عنون به أستاذ الباز مقاله، فإن الكاتب يتفق مع الكثيرين في تحميل سوء الإدارة مسؤولية ضياع مليارات الذهب، مستشهداً بتجربة تنزانيا الملهمة. ومع تقديري لهذا التشخيص إلا أنني أرى من منظور شامل أن الخلل أعمق من مجرد تعثر إداري أو ارتباك حكومي. إن مشكلتنا الحقيقية تكمن في “غياب الرؤية الكلية للدولة”، وليس فقط تقصير “الجهاز التنفيذي”.
الإدارة هي “كيف نفعل”، أما الرؤية فهي “لماذا نفعل وإلى أين نتجه”. وتنزانيا لم تنجح لأنها امتلكت إدارة جيدة فقط، بل لأنها امتلكت رؤية سيادية تعتبر المعدن ملكاً للشعب ووسيلة لبناء احتياطي نقدي يحمي العملة. إلا إنه وللأسف عندنا في السودان ثمة تغبيش متعمد للرؤية. هناك مراكز قوى ومستفيدون من السيولة الإدارية والوضع المائع الذي لا يفرض محاسبة ولا يتيح شفافية. لذا فإن تحميل رئيس الوزراء وحده المسؤولية، فيه ظلم للحقيقة، لأن الأزمة هي أزمة “إرادة دولة” ضاع قرارها الاقتصادي لصالح شبكات تهريب وفساد عابرة للحدود.
نقطة أخرى غاية في الأهمية أغفلها المقال، وهي حقوق الأقاليم المنتجة. إن الانتقال إلى “دولة القيمة” يستوجب أن يشعر المواطن في مناطق التعدين بأن ذهبه ليس لعنة تلوث بيئته وتنهب أرضه لصالح خزينة المركز، وإنما يريده أن يكون رافعة تنموية لمجتمعه المحلي أولاً.
وإن كنا مع حكومة الأمل قد نغض الطرف مؤقتا عن هذا الأمر تقديراً لظروف الحرب والمجهود الحربي، إلا أن الرؤية المستقبلية يجب أن تقوم على صياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد، يضمن نصيباً عادلاً للأقاليم.
إن الدرس الأكبر الذي يجب أن نستخلصه من تجربة البترول هو فلسفة التوجيه. لا ينبغي أن يذهب الذهب لسد عجز الميزانبة أو لتغطية نفقات الاستيراد الاستهلاكي. إن عوائد الذهب يجب أن تكون المحرك لقطاعات الإنتاج المتجدد كالزراعة والصناعات التحويلية بالإضافة الي استكمال استكشافات النفط.
نحن بحاجة إلى تحويل الذهب إلى قيمة ثابتة “مصانع، مسالخ، صوامع غلال، شبكات ري حديثة وتقانات زراعية مواكبة”. هذا هو جوهر التحول من “دولة الغنيمة” التي تقتات على ما تجده في باطن الأرض، إلى “دولة القيمة” التي تبني ثروتها من كدح إنسانها فوق الأرض.
ختاماً يجب ألا ننسى أن هذا الذهب ليس ملكاً لجيلنا وحده لنبدده في حروبنا وأخطائنا. إنه بمثابة رأس مال الأجيال القادمة. إن أقل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا هو وطن “آمن من خوف، وطاعم من جوع”، وطن يتوحد خلف رؤية الإنتاج والعدالة.
إننا لا نطالب بمعجزة، بل نطالب بالحد الأدنى من السيادة الوطنية على مواردنا. إن ادماج الـ 10 مليارات دولار في الاقتصاد القومي ليس مجرد إجراء مالي روتيني، إنما هو عملية جراحية ضرورية لإنقاذ جسد الدولة السودانية من التحلل.



