من “تعليم التلقين” إلى “تعليم التنمية”.. هندسة القيمة وترياق الحروب

د. الهيثم الكندي يوسف
في الأجزاء السابقة من هذه السلسلة، وضعنا مشرط التحليل على “دولة الغنيمة”، تلك الدولة التي قامت على هدر الموارد وتوزيع العطايا مقابل الولاء، ورأينا كيف تحول السلاح فيها إلى رافعة لانتزاع الحقوق أو الحفاظ على الامتيازات.
الآن نود أن ننتقل إلى أخطر لبنات بناء “دولة القيمة” ألا وهي النظام التعليمي.
إن الانتقال من واقع الحرب إلى مستقبل السلام والإنتاج يبدأ من ابدال التعليم التقليدي وإحلال التعليم التنموي بدلاً عنه.
وهنا يجدر بنا أن نقوم بتفكيك المصطلح، فماذا نعني بالتعليم التنموي؟.
إن التعليم التنموي هو نمط تعليمي يهدف إلى إعداد الإنسان ليكون فاعلاً في عملية التغيير الاجتماعي والاقتصادي. فهو ليس مجرد نقل للمعرفة، إنما يهدف إلى تزويد الفرد بالمهارات التقنية والانتاجية للمساهمة في بناء مجتمعه وحل المشكلات التي تواجه المجتمع.
بناءً علي هذا التعريف يتضح أن التعليم الذي عندنا يعمل كمصنع للبطالة المقنعة، فقد ورثنا نظاماً تعليمياً صمم في الأساس لخدمة الإدارة الاستعمارية، ثم طور لاحقاً لإنتاج (خريجين موظفين) ينتظرون من الدولة أن تمنحهم الرواتب مقابل الجلوس خلف المكاتب. هذا هو التعليم التقليدي أو ما يمكن أن نسميه “تعليم التلقين” الذي يقدس الشهادة الورقية ويغفل المهارة الحياتية والقدرة الإنتاجية.
إن التعليم في دولة الغنيمة ليس إلا سُلماً للترقي الاجتماعي والمحاصصة السياسية، بينما تظل مواردنا الضخمة مجمدة في باطن الأرض وشاسع الأراضي البور، وذلك لعدم وجود العقل المبتكر الذي يستطيع تحويل هذه المادة الخام إلى قيمة مضافة. إن الفجوة بين ما تخرجه الجامعات وبين متطلبات النهضة هي التي خلقت الإحباط الذي تحول لاحقاً إلى وقود للنزاعات المسلحة.
إن هندسة القبول الجامعي وفق خارطة الإنتاج الإقليمي هي أولى خطوات إصلاح التعليم فهي ربط (المنهج) بـ (الجغرافيا). إذ لا يمكن أن نستمر في تخريج آلاف المتخصصين في العلوم الإنسانية في أقاليم تمتلك أكبر احتياطيات المعادن أو أخصب الأراضي الزراعية في العالم. لكل ذلك نري أن يكون الحل في تبني التعليم التنموي كخيار إستراتيجي وذلك وفق النقاط التالية:
برمجة القبول في جامعات الأقاليم وفق الاحتياجات:
يجب إعادة هندسة القبول بالجامعات الإقلبمية لتكون قاطرات تنمية لمحيطها. فالجامعة في دارفور أو النيل الأزرق يجب أن تكون مركزاً لتقنيات الإنتاج الحيواني والغابات، والجامعات في شمال وشرق السودان يجب أن تكون حواضن لفيزياء الطاقة الشمسية وعلوم التعدين والبحار. وفي وسط السودان تكون الجامعات للتقانات الزراعية وهندسة الانتاج الزراعي عبر تطوير الأصناف والسلالات.
إعلاء قيمة التعليم التقني:
إن البديل هو قلب الهرم، عبر جعل الذين يتلقون التعليم التقني والفني هم النخبة، وتوفير الدعم المادي والفني للمعامل والورش، وتدريب المعلمين. فبهذا تنتقل القيمة من المكتب الوثير إلى المصنع والمعمل المنتج.
ولكن لماذا التعليم التنموي، ولبس التعليم التقليدي؟
الأسباب متعلقة بالنتائج التي نجنيها من التعليم التنموي المرتبطة بحل مشاكل الناس واحتياجاتهم حيث يمكن النظر الي ذلك عبر:
– التعليم التنموي يساعد في حل مشكلاتنا الاقتصادية:
أن متوسط إنتاج الفدان في السودان يبلغ طن واحد بينما يصل في دول أخرى إلى أربعة أضعاف. هذه الفجوة ليست بسبب خصوبة التربة، إنما هي فجوة في العلم. ففي دولة القيمة يقوم علماء الزراعة بتطوير طرق إنتاج تواكب البيئة المحلية وتعتمد على الميكنة لرفع الكفاءة وتقليل التكلفة. أما في مجال الطاقة فبدلاً من الاعتماد علي الوقود المكلف، يجب أن يوجه التعليم نحو فيزياء الطاقة وتطوير المفاعلات للأغراض السلمية والطبية، واستغلال مواردنا من اليورانيوم والمعادن الاخري لتوليد الكهرباء.
إن سيادة الدولة تبدأ من قدرتها على توفير طاقتها وغذائها بعقول أبنائها وليس باستيراد الحلول المعلبة.
– التعليم التنموي لمقابلة خطابات الحرب والكراهية:
إننا وفي رؤيتنا للانتقال ننشد أن يكون القلم مقابل السلاح، فإن أهم مخرجات التعليم التنموي هو بناء القيم. فالإنسان المتعلم الواعي يدرك أن حرمة الدماء والأعراض أسمى من أي مكسب سياسي أو مالي.
لقد أثبتت تجربتنا السودانية أن الأقاليم التي حملت السلاح لانتزاع حقوقها انتهى بها المطاف إلى الخراب والنزوح، بينما الأمم التي حملت (القلم) مثل ماليزيا والهند، استطاعت أن تصنع لنفسها مكاناُ في النظام العالمي.
– التعليم التنموي لحل مشكلة التهميش:
بتجربة الكثير من الدول وُجد أن التعليم التنموي يعالج التهميش الاقتصادي والأمية، وهما المحركان الأساسيان للحرب. فعندما يمتلك الشاب في الريف المهارة التي تدر عليه دخلاً كريماً من أرضه أو حرفته أو مشروعه الإقتصادي، سيصبح السلاح بالنسبة له عبئاً يعيق نموه، وليس أداة لتحصيل رزقه.
– التعليم التنموي ينهض بالأمم:
عندما ننظر إلى التجربة الماليزية، نجد أن مهاتير محمد لم يبدأ ببناء الأبراج، بل بدأ بإرسال آلاف الطلاب إلى اليابان وكوريا الجنوبية لتعلم أنماط وطرق العمل وتقنيات الصناعة. والهند لم تصبح قلب العالم في مجال البرمجيات إلا بعد استثمار هائل في المعاهد التقنية (IT).
– يرتبط التعليم التنموي بحل مشكلاتنا الحياتية:
إن استثمار أدوات العلم يساعد في القضاء على مشكلة الإسكان عبر البناء الأخضر منخفض التكلفة، فهندسة البناء يجب أن تخرج من نمط الخرسانة والتسليح (الذي لا يتماشي مع مناخنا الحار) إلى ابتكار حلول من البيئة المحلية لخفض التكاليف وتوفير السكن الكريم لكل مواطن.
كما بالتعليم نطور أساليب الطبابة واكتشاف علاجات جذرية لكثير من الأمراض التي يعاني منها المواطن في بلادنا.
– في التعليم التنموي حل للمشكلات الاجتماعية:
بالتعليم الفني والحرفي نصنع النجار الذي يكفينا استيراد الأثاث، والسباك الحازق والبناء الماهر وغيرها من الحرف التي تغير من حال الشباب القانع، من العطالة إلي رحاب الإنتاج مما يبعدهم عن الفراغ وأمراضه كالمخدرات وغيرها، كما يساعد في البناء الاجتماعي والقضاء علي العنوسة بإستطاعة الشباب الباءة وإعالة الأبناء.
علينا أن نختار، إما الاستمرار في (تعليم التلقين) الذي يرفد الشارع بجيوش من المحبطين القابلين للاستقطاب العسكري، أو الانتقال إلى (تعليم التنمية) الذي يحول كل طالب إلى مشروع إنتاجي يمشي على الأرض.
دولة القيمة والإنتاج تبنى في المعامل والورش وفي الحقول وفي المناهج التي تغرس في نفوس النشء أن (العلم) هو أقصر الطرق للمجد والكفاية، كما أن (الإنتاج) هو الضمانة للسيادة الوطنية.
إننا وفي بحثنا عن مكاننا بين الأمم نجد أنفسنا بحاجة إلى ثورة تعليمية، تبدأ بجعل المعلم في الواجهة الاجتماعية والإقتصادية، فتمييز الأستاذ الجامعي والمعلم هو استثمار في الأمن القومي.
لقد آن الأوان لنضع حداً لهذا الانهيار ليس بالبكاء على الأطلال، ولكن بالخطط التي تجعل من المدرسة مصنعاً للأمل، ومن الجامعة عقلاً للدولة، ومن المعلم قائداً للنهضة. إن الطريق إلى السلام والتنمية يمر عبر سبورة المدرسة، بدلاً عن الدوران في حلقة مفرغة من الفشل.
إن رؤيتنا للإصلاح تجعل (القلم) في مواجهة (الرصاص)، و (القيمة) في مواجهة (الغنيمة).. إن هذا هو الطريق للخروج من النفق الذي نحن فيه.. أليس كذلك؟



