سودان ما بعد الحرب: بناء الدولة أم إعادة إنتاج المليشيات؟

رمضان أحمد
يشهد المشهد السياسي السوداني مزيداً من التعقيد كلما اعتقد الناس أن الحرب قد بلغت ذروتها وأن النهاية أصبحت قريبة، فيتطلع المواطنون إلى لحظة يطوون فيها صفحة هذا الصراع ليعودوا إلى حياتهم اليومية على أمل أن تستقر أوضاعهم وتتحسن أحوالهم. وكنت دائماً أميل إلى التفاؤل، لكن ما يجري اليوم يجعل من الصعب العثور على ما يبعث على الطمأنينة أو يمنح أملاً حقيقياً وسط هذا المشهد المربك.
لا شك أن التطورات الإقليمية، وعلى رأسها المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، انعكست بصورة مباشرة على الحرب في السودان، إذ تراجع مستوى الدعم الذي كانت تتلقاه قوات الدعم السريع، وهو ما بدا واضحاً في الانقسامات والتصدعات التي بدأت تظهر داخل قيادات الصف الأول فيها.
وكان من المفترض، في مثل هذا الظرف، أن تتجه الدولة إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على فتح باب التفاوض المباشر مع العناصر الراغبة في الانسحاب من القتال، بهدف الوصول إلى تسوية تُنهي الحرب بصورة سلمية. وإذا تعذر ذلك، وأصبح خروج المقاتلين من صفوف الدعم السريع هو السيناريو الغالب، فإن التعامل مع هذا الواقع يستوجب اتباع خطوات واضحة ومدروسة.
أولى هذه الخطوات تتمثل في نزع السلاح من المستسلمين بصورة كاملة، حتى يترسخ لديهم ولدى المجتمع أنهم لم يعودوا جزءاً من حالة الحرب أو طرفاً مسلحاً فيها. فهذه الخطوة ليست أمنية فقط، بل لها أيضاً بعد نفسي يمهد للانتقال إلى الحياة الطبيعية.
أما الخطوة الثانية، فهي إخضاع هؤلاء الأفراد لبرامج تأهيل وتدريب تساعدهم على التكيف مع الحياة المدنية، وتُخرجهم من مناخ العنف والصراع الذي عاشوا فيه لسنوات.
ثم تأتي الخطوة الثالثة، وهي منحهم الخيار بعد إعادة التأهيل بين الاندماج في القوات المسلحة وفق الضوابط والمعايير المهنية المعروفة، أو التسريح والعودة إلى الحياة المدنية مع توفير دعم مالي يساعدهم على بدء حياة جديدة مستقرة.
ومن المهم أن تُطبق هذه المعايير نفسها على بقية الحركات المسلحة والجماعات المقاتلة المتحالفة مع الجيش بعد انتهاء الحرب، حتى تنتهي المرحلة بوجود مؤسسة عسكرية واحدة تحتكر السلاح وتخضع لها جميع التشكيلات المسلحة، مع إصدار قوانين واضحة تُجرّم حمل السلاح خارج إطار القوات النظامية.
لكن ما يحدث حالياً يبدو مختلفاً ومثيراً للقلق في الوقت نفسه. فالحكومة لا تكتفي باستقبال المنشقين عن الدعم السريع، بل تقيم لهم احتفالات استقبال وترحيب. وحتى إذا افترضنا حسن النية واعتبرنا أن الهدف من ذلك هو تشجيع مزيد من الانشقاقات وإضعاف القيادات التي ما زالت تقاتل، فإن ذلك لا يبرر استمرار هؤلاء المنشقين في الاحتفاظ بأسلحتهم وقواتهم داخل المجتمعات نفسها التي شهدت انتهاكات واسعة على أيديهم خلال الفترة الماضية.
تكمن خطورة هذا المسار في أنه قد يؤدي عملياً إلى إعادة تجميع عناصر الدعم السريع في إطار جديد وتحت قيادة مختلفة، ربما بقيادة شخصية مثل موسى هلال أو غيره. والأخطر من ذلك أن يتحول هذا التشكيل الجديد إلى أداة ضغط أو ابتزاز في مواجهة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، خاصة في ظل الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف هذه الحركات في الآونة الأخيرة.
وإذا حدث بالفعل أن أُعيد تشكيل الدعم السريع باسم جديد وقيادة جديدة موالية للجيش، فإن السودان قد يجد نفسه ممهداً لجولة أخرى من الصراع، ربما تكون أكثر عنفاً وضراوة من الحرب التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية.
من المهم جداً ألا تفكر الدولة بالعقلية التي تقوم على إدارة الصراعات عبر استخدام الخصوم ضد بعضهم البعض، أو عبر توظيف المليشيات والتوازنات المسلحة كوسائل للصراع السياسي، فهكذا عقلية لا يمكن أن تؤسس لدولة مستقرة، بل ستفتح الباب لمزيد من الانقسام والدمار.
ومع اقتراب الحرب ـ بحسب كثير من المؤشرات ـ من مراحلها الأخيرة، فإن البلاد بحاجة إلى رؤية مختلفة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، رؤية تتجاوز منطق الثأر والصراع، وتسعى إلى تفكيك ثقافة الحرب نفسها، وتهيئة المناخ لثقافة السلام وإعادة البناء والتنمية، حتى يتمكن السودان أخيراً من الخروج من هذه الدائرة المرهقة.



