رأي

عودة الأبناء الضالين لحضن الوطن

 

محمود حسين سري

شهدت الفترة الماضية انشطارات في قوات الدعم السريع الارهابية المتمردة وانسلاخ عدد كبير من قاداتهم ومستشاريهم وإعلان انضمامهم للقوات المسلحة السودانية وعودتهم إلى أرض الوطن.

فمن الجانب العسكري، في أكتوبر 2024 أعلن القائد الميداني أبو عاقلة كيكل انشقاقه بكامل قواته (درع السودان) عن قوات الدعم السريع الإرهابية وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة السودانية. وكان كيكل يشغل منصب قائد قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة قبل هذا التحول الكبير. يضاف إلى ذلك، في أبريل 2026 أعلن اللواء النور أحمد آدم (الشهير بالنور قبة)، القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع، انشقاقه التام وانضمامه بكامل قواته وعتاده إلى القوات المسلحة السودانية. وبرز النور قبة كأحد القيادات العسكرية الميدانية المؤثرة في إقليم دارفور، وتحديداً في مناطق شمال دارفور مثل الفاشر وكُتم وهو من المؤسسين لقوات الدعم السريع المتمردة ويعد الصندوق الأسود لها. أما في مايو 2026 فقد انشق القائد العسكري الميداني علي رزق الله (المعروف بلقب السافنا) وأعلن انسلاخه عن قوات الدعم السريع المتمردة وتسليم نفسه وقواته للجيش السوداني

سياسياً، أعلن خمسة من مستشاري قائد قوات الدعم السريع انسلاخهم رسميًا عن القوات وعودتهم إلى حضن الدولة والشرعية في اكتوبر 2024. قاد المجموعة السياسية المنشقة الدكتور عبد القادر إبراهيم علي محمد، وهو مستشار قائد قوات الدعم السريع ومسؤول ملف شرق السودان والمنظمات. وفور وصولهم إلى بورسودان عقد المستشارون مؤتمرًا صحفيًا في مدينة بورتسودان، والتقوا لاحقًا برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان حيث أشار المستشارون المنسلخون إلى أن أسباب تخليهم عن القوات المتمردة تعود إلى استهداف مؤسسات الدولة، والسعي لتقسيم البلاد، والانتهاكات الواسعة، فضلاً عن وجود أجندة ومخططات خارجية تحرك الصراع وضحت لهم لاحقًا.

كما أكد المستشار الإعلامي السابق لقوات الدعم السريع، إبراهيم بقال سراج، عودته رسمياً إلى السودان في مايو 2026 عبر مطار بورتسودان الدولي. وأثارت عودته جدلاً واسعاً في الأوساط السودانية نظراً لمواقفه السياسية والإعلامية السابقة. وكان تصريح إبراهيم بقال بأنه دخل عبر مطار بورتسودان مستخدماً جواز سفر دبلوماسياً مثار جدال في السوشيال ميديا مشيراً إلى أن خطوة عودته تمت تحت إشراف وتنسيق كاملين مع رموز مؤثرة في الدولة.

وتناولت بعض وسائل الإعلام أنباء بأن الفترة القادمة ستشهد عودة عدد من السياسيين الذين وُصفوا بأنهم شكّلوا حاضنة سياسية للتمرد وجزء أساسي من تحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” و أن عودتهم مشروطة بالتخلي عن دعم مشروع مليشيا آل دقلو والانحياز الكامل إلى الدولة ومؤسساتها. و يعانى التحالف المدنى الديمقراطى لقوى الثورة “صمود” من انقسامات سياسية حادة بسبب سيطرة قلة على اتخاذ القرارات وغياب المؤسسية والشفافية و فساد التمويلات الدولية وفشل سياحة المؤتمرات في برلين وباريس وجنيف وأديس أبابا ونيروبي في تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض بالرغم من المحاولات الدولية الدائرة الآن لإحياء التحالف عبر نافذة إعلان المبادئ في نيروبى.

لاشك أن انسلاخ قادة ورموز قوات الدعم السريع المتمردة الارهابية هي ضربة معنوية وعسكرية لها، حيث تشكل هذه الانشقاقات إنجازاً ضخماً للجيش السوداني وضربة قوية لمنظومة الدعم السريع، مما سيسهم على المدى المتوسط والبعيد في تراجع معنويات عناصرها في عدة محاور بالرغم من ردود فعل الدعم السريع والتي تحاول قياداتها المتمردة الإرهابية التقليل من الأهمية العسكرية لتلك الانسلاخات.

ثانياُ: إن هذه الانسلاخات ستدعم الوضع الميداني الحالي للقوات المسلحة السودانية إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح حيث أن اندماج قوات مثل قوات “درع السودان” التابعة لكيكل في 2024 بالكامل تحت إمرة القوات المسلحة السودانية، ومشاركتها بانتظام في العمليات العسكرية الجارية بالبلاد أدى إلى تحرير ولاية الجزيرة و عملية تحرير الخرطوم.

ثالثاُ: تشير هذه الانقسامات والتفككات بوجود “أزمة القيادة” داخل قوات الدعم السريع وتصاعد الخلافات الميدانية والقبلية، وشعور بعض المكونات داخل الدعم السريع بغياب الرؤية الوطنية والانسياق وراء مصالح ضيقة أو ممارسات ميدانية لا يرتضونها. كما تشير الانقسامات للاهمال والتهميش للقيادات التقليدية من قِبل قيادة الدعم السريع، حيث تذكر المصادر أن قائداً كبيراً مثل النور قبة قضى نحو أربعة أشهر مريضاً في منطقة كُتم دون تلقي الرعاية أو الزيارة من قيادته.

رابعاً: تمثل الانقسامات داخل القوات المتمردة ضربة للتماسك القبلي للقوات وهو المكون الرئيسي لـإنشائها حيث تحمل الانسلاخات دلالات قوية للشرخ العسكري والإجتماعي في البنية التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع في دارفور. حيث تُعد الانشقاقات الأخيرة مدفوعة بخلافات قبلية واستراتيجية متجذرة، خاصة في دارفور وكردفان، والتي تصاعدت عقب هجمات على مناطق تابعة لزعماء أهليين مثل موسى هلال، مما أدى إلى تزايد الولاءات المحلية على حساب القيادة المركزية لقوات الدعم السريع.

وعندما ننظر لردة الفعل الشعبية على هذه الانقسامات، نجدها قد أثارات جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً بشأن قرارات العفو العام الصادرة من الجيش، ومخاوف من الإفلات من العقاب لمتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان. حيث أن قرار العفو العام الذي قدمته قيادة الجيش السوداني للمنسلخين أثار موجة من التساؤلات الطبيعية و المشروعة نظراً لأن بعض القادة المنشقين البارزين يواجهون اتهامات دولية ومحلية بالتورط في انتهاكات حقوق إنسان واسعة وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وعقوبات دولية. ويرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن دمج هؤلاء المقاتلين في الجيش دون محاسبة يقوض العدالة وحقوق الضحايا ويسيء إلى القوات المسلحة السودانية.

ويتساءل الكثيرون عن جدوى هذه الصفقات السياسية والأمنية للانضمام للحكومة ويقولون إنها مهدد للعدالة الوطنية إذ لا يمكن لبعض الجرائم أن تسقط بالعفو مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وغيرها من الجرائم الخطيرة، وكذلك الجرائم الخاصة بالأفراد. فمن له الحق أن يعفو وسط اعتراض الضحايا والمخاوف القوية من استمرار الإفلات من العقاب ومكافأة قادة مليشيات لحركة متمردة إرهابية ارتكبت تحت قيادتهم جرائم خطيرة، وأن المسؤولية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القادة الذين ثبت علمهم بالانتهاكات أو كان ينبغي لهم العلم بها، ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو وقفها أو محاسبة مرتكبيها، بما يرسخ مبدأ المسؤولية القيادية بوصفه أحد أعمدة القانون الدولي الإنساني.

ومنذ بداية الحرب شرعت الحكومة في بورسودان بإجراء محاكمات و إجراءات قانونية وعسكرية على عدة أصعدة فيما يتعلق بأفراد وقيادات قوات الدعم السريع في السودان حيث بدأت محاكمات لرموز وقادة قوات الدعم السريع غيابياً في بورتسودان، وعلى رأسهم القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقيه بتهم تصل عقوبتها للإعدام، ومن ضمنها التورط في قتل والي ولاية غرب دارفور السابق خميس أبكر. كما تعقد المحاكم المختصة (مثل محكمة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة) جلسات مستمرة لمحاكمة مدنيين وعناصر متهمين بمعاونة الدعم السريع، حيث صدرت أحكام بالإعدام والسجن في حق مدانين بتهم “إثارة الحرب ضد الدولة”. كما تستمر جلسات لمحاكمة متهمين بتشكيل “حكومة مدنية” داعمة لقوات الدعم السريع المتمردة.

وقد أظهرت عودة قيادات قوات الدعم السريع إلى المدن قلقاً شعبياً من تنامي وجود وتواجد الحركات المسلحة و انتشارها في ولاية الخرطوم والتى بدأت تشهد عودة طوعية كبيرة. حيث شهدت مدينة أمدرمان عدة اشتباكات داخلية مؤخراً بين القوات المشتركة (المتحالفة مع الجيش السوداني) وقوات أخرى، كان أبرزها اشتباكات مع مجموعة “النور القبة” المنشقة عن الدعم السريع، ومناوشات في سوق صابرين. حيث تتحدث التقارير عن اشتباك مسلح مفاجئ داخل سوق صابرين في أم درمان بين أفراد من “القوات المشتركة” و”الحملة المشتركة” (قوة أمنية تضم الشرطة وجهاز المخابرات) بسبب خلافات ونقاشات تطورت لتبادل إطلاق النار، مما أسفر عن مقتل عنصر وإصابة ثلاثة آخرين من الطرفين.

لا مجال للشكوك والتضليل أن عودة المنشقين والقيادات السياسية والأمنية والعسكرية السابقة لقوات الدعم السريع والتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” والقوى السياسية الأخرى بمن فيهم الإخوان المسلمين هو انتصار للقوات المسلحة السودانية وإنجاز حقيقي لاستخباراتها العسكرية ومخابراتها الوطنية والقيادات الوطنية في الدولة. وإنجاز مهم للدول المجاورة التى سهلت هذه الاتصالات والتسويات والصفقات لأن هذه العودة تصب في اتجاه وقف الحرب وتهدئة التصعيد العام وتحقيق السلام والوصول إلى وقف إطلاق النار وإضعاف المتمردين و رفع المعنويات للجيش السوداني لاسترداد الأراضي من العدو.

كما أن نظرية الحل في إبادة المتمردين والقضاء عليه لا تتم فقط بالقتال ولكن من خلال العمليات الأمنية والاستخبارية المعقدة التى يمكنها أن تجنب البلاد المزيد من القتل والاقتتال والدم وإزهاق المزيد من الأرواح البريئة، وأن علينا أن ننظر إلى موضوع عودة المنشقين و العائدون إلى حضن الوطن على أنهم سودانيين من حقهم العودة للرشد والحكمة والدولة.

لكن حتى تكون الأمور واضحة يجب أن يتم ترتيب هذه العودات بشىء من التنظيم والدقة والتأمين وأن تتم وفق القوانين السودانية وأن يكون هناك مقترح لقانون جديد ينظم لعودة هؤلاء العائدين حتى لا يتحول الوضع إلى فوضى ومزاجية ويترتب عليه حوادث أمنية كما حدث في أمدرمان يضمن إجراءات العفو العام، وتحقيق المصالحة الوطنية، وضمان الأمن القومي الوطني السوداني، والاستفادة من الدروس السابقة، وتفكيك دولة المليشيات، واحترام حقوق الانسان والضحايا والمسؤولية العامة و حق المساءلة و الشفافية والمؤسسية للدولة.

إن المجتمع الدولي والاقليمي يراقب اليوم حكومة السودان المدنية و القوات المسلحة السودانية والأجهزة المعنية في إدارة هذا الملف الحساس والدقيق والخطير جداً، لأن النجاح في إدارته سيعيد البلاد إلى مربع الوحدة والسلام، كما أن الفشل في إدارته سيقود البلاد إلى كارثة.

لقد احتفلت رواندا الأسبوع الماضى بالذكرى الــ 32 للإبادة الجماعية التى حدثت في أبريل 1994 والتى راح ضحيتها مليون مواطن. ولكن تمكن الروانديون من تحويل بلادهم إلى نموذج ملهم يُدرس عالمياً في كيفية تحويل النزاعات الأهلية الدموية إلى سلام مستدام عبر التصالح والتسامح والاعتراف والمشاركة الشعبية ليتحول هذا البلد الأفريقي الممزق من الانهيار والانقسام والعنف وعجلة الانتقام، لبناء واحدة من أكثر دول أفريقيا استقراراً ونمواً. فبدلاً من تبني خيار الانتقام والثأر، اختار الشعب والقيادة الرواندية مسار العفو الشامل والعدالة الانتقالية لإعادة دمج الجناة والضحايا في مجتمع واحد.
رواندا ليست وحدها هناك نماذج أخرى ناجحة في جنوب أفريقيا و المغرب وبرامج دولية ناجحة مثل العفو مقابل الحقيقة، تفريق الاحتقان العرقي، التركيز على العيش المشترك، خطاب المصالحة، إلغاء التصنيفات العرقية، تعويض الضحايا، جلسات الاعتراف والغفران وبرامج أخرى جنبت هذا البلد الأفريقي الانقسام والتفتت والانهيار .

إن ملف عودة الأبناء الضالين لحضن الوطن من السياسيين أو العسكريين يحتاج إلى قانون ينظم و يقنن من قبل الدولة السودانية لضمان عدم تكرار التجربة و الحفاظ على الأمن القومي السوداني وتحقيق العدالة واحترام حقوق الانسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى