رأي

من منصور خالد إلى عبد الله علي إبراهيم… حين صنعت النخبة السودانية الأزمة ثم تولّت التنظير لها

 

 

د. إسماعيل ساتي

أعاد البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، في مقاله الأخير المنشور على حسابه بالفيسبوك بعنوان: (منصور خالد: من ازمة الدولة لأزمته ذات نفسه) فتح ملف من أكثر ملفات النخبة السودانية تعقيداً: العلاقة بين الديمقراطية والدولة والجيش والحرب، وصفوة المثقفين الذين ظلوا يتحدثون باسم السودان لعقود طويلة، ثم انتهى كثير من تنظيرهم إلى ذات النتيجة التي نعيشها اليوم: بلد أكلت الحرب أطرافه واحترق قلبه.

ومع التقدير للجهد الفكري الكبير الذي بذله عبد الله علي إبراهيم في تتبع تطور أفكار منصور خالد، فإن القضية في تقديري أوسع من مراجعة موقف رجل واحد، أو رصد التناقض بين كتاب كتبه ثم موقف سياسي اتخذه بعده. القضية الأكبر هي: كيف أنتجت هذه النخبة السودانية خطاباً سياسياً مضطرباً، ثم قدمته للأمة باعتباره طريق الخلاص، بينما كان (في كثير من الأحيان) جزءاً من صناعة الأزمة نفسها؟

لقد ظلت النخبة السودانية، بمختلف مدارسها، تخلط بين مفاهيم كان ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية. خلطت بين الليبرالية والعلمانية، حتى صُوِّر للناس أن الليبرالية لا تقوم إلا على نفي الشريعة، وكأن الحرية السياسية لا يمكن أن تتعايش مع مرجعية إسلامية دستورية، مع أن واقع المجتمعات وتجارب الأمم يقول غير ذلك. وخلطت بين الحكم المدني والحكم الإسلامي، حتى صار كثير من الخطاب السياسي يوحي بأن الدولة المدنية تعني بالضرورة إقصاء الدين من المجال العام، مع أن الدولة المدنية في جوهرها تتعلق بالمؤسسات وبالدستور وبسيادة القانون وبالمحاسبة وبالتداول السلمي للسلطة، لا بمصادرة عقائد الناس ولا بإخراج الدين من حياتهم العامة.

وكان هذا الخلط عند بعضهم مقصوداً، أو على الأقل جرى الترويج له بإصرار شديد، لأنه كان يخدم معركة سياسية وثقافية أكثر مما يخدم بناء دولة مستقرة.

ثم جاءت المعضلة الأكبر: الأحزاب.

كم من حزب رفع راية الديمقراطية، لكنه لم يؤمن بها إلا حين توصله إلى الحكم. فإن جاءت الانتخابات بما يريد، قال: هذا هو صوت الشعب. وإن جاءت بغير ما يريد، بدأ الحديث عن الوعي الزائف والجماهير المخدوعة وضرورة تصحيح المسار. وإن ضاقت به صناديق الاقتراع، فتح أبواب الثكنات. وإن لم يجد الجيش، لجأ إلى التمرد والسلاح.

ثم يُقال للناس بعد ذلك إن المشكلة فقط في غياب الديمقراطية!

أي ديمقراطية هذه التي تُقبل إذا جاءت بحزب بعينه، وتُرفض إذا اختار الناس غيره؟

وهنا تصبح تجربة منصور خالد نفسها مثالاً يستحق التأمل. فالرجل كتب بذكاء ووضوح عن فشل الصفوة وعن خطر الاستقواء بالعسكر وعن الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب حين تنتظر المنقذ القادم من المؤسسة العسكرية أو من فوهة البندقية. ثم انتهى إلى الانضمام إلى مشروع مسلح بقيادة جون قرنق.

وليس المقصود هنا محاكمة الرجل على مراجعاته السياسية؛ فالسياسيون يبدلون اجتهاداتهم، وهذا مفهوم. لكن الإشكال أن كثيراً من رموز النخبة السودانية ظلوا يطالبون الناس بالصبر على الديمقراطية، بينما لا يصبرون هم عليها إذا لم تنتج لهم السلطة. وظلوا يدعون إلى الدولة المدنية، لكنهم يتحالفون مع القوة المسلحة حين تخدم مشروعهم. وظلوا يهاجمون عسكرة الدولة، ثم لا يتردد بعضهم في الاستناد إلى السلاح إذا تعثرت السياسة.

وهذا هو أصل الأزمة. فأزمة السودان لم تكن يوماً مجرد أزمة (إسلاميين) وحدهم، ولا أزمة (عسكر) وحدهم، ولا أزمة (الديمقراطية الليبرالية) وحدها. بل هي قبل ذلك أزمة نخبة سياسية وفكرية لم تستطع (ومنذ الاستقلال) الاتفاق على قواعد وطنية مستقرة، ولم تستطع احترام إرادة الناس إذا خالفت رؤيتها، ولم تستطع الفصل بين خصومتها السياسية وبين الدولة نفسها.

ولهذا ظل المشهد السوداني يتكرر بصورة مؤلمة: حزب يخاصم حزباً، ثم يستدعي الجيش.. تيار يعجز عن حسم معركته سياسياً، فيستدعي التمرد. نخبة تختلف مع خصومها، فتتعامل مع الوطن كله باعتباره ساحة تصفية حساب. ثم بعد أن تتسع النار، يخرج الجميع يكتبون مذكراتهم وتحليلاتهم وكأنهم كانوا مجرد مراقبين للأحداث، لا شركاء في صناعتها. فالدولة لا تُبنى بالاستعلاء الفكري على الناس. ولا تُدار بالنظريات التي تتبدل كلما تبدلت موازين القوى. ولا تُحمى بالرهان على البندقية حين تخسر السياسة. الدولة تُبنى على وضوح المفاهيم، وعلى احترام إرادة الناس، وعلى الاعتراف بأن المجتمع السوداني، بكل تنوعه الديني والثقافي والاجتماعي، لا يمكن أن يُدار بعقلية الوصي الذي يرى نفسه أسبق من الناس فهماً، وأحق منهم قراراً، وأجدر منهم بتحديد مستقبلهم.

ولعل أخطر ما ورثناه من هذه النخبة أنها لم تكتفِ بالاختلاف السياسي، بل حولت خلافاتها الفكرية إلى معارك صفرية، لا مجال فيها للتعايش ولا الاعتراف المتبادل. فمن خالفها لم يكن عند كثير منها خصماً سياسياً داخل الوطن، بل صار مشروع إقصاء، أو عبئاً ينبغي تجاوزه، أو خصماً لا بد من الالتفاف عليه بالدبابة أو بالبندقية أو بالتحالف الخارجي.

وهنا بدأ الخراب الكبير. فلم تعد السياسة تنافساً على خدمة الوطن. بل صارت معركة على من يحتكر تعريف الوطن نفسه. ولم تعد الديمقراطية وسيلة للاحتكام إلى الناس. بل صارت عند بعضهم أداة تُقبل إذا جاءت بهم، وتُرفض إذا جاءت بغيرهم. ولم يعد الجيش مؤسسة وطنية تضبط بالدستور والقانون. بل صار عند بعض القوى مخزناً سياسياً يُفتح عند الحاجة. ولم يعد التمرد آخر الخيارات حين تنسد الأبواب. بل صار عند بعض النخب وسيلة ضغط وورقة تفاوض وطريقاً مختصراً لفرض المشاريع السياسية بقوة السلاح.

ثم يدفع السودان كله الثمن. تدفعه المدن التي تحترق، وتدفعه القرى التي تُهجّر، وتدفعه الأسر التي تفقد أبناءها، ويدفعه المواطن البسيط الذي لم يكن طرفاً في هذا التنظير كله، لكنه ظل دائماً أول من يتحمل نتائج فشل النخبة، وآخر من يُستشار حين يُراد رسم مستقبل البلاد.

ولهذا فإن الإنصاف الفكري يقتضي ألا نقف فقط عند مراجعة منصور خالد، ولا عند قراءة عبد الله علي إبراهيم، مع تقدير مكانتهما الفكرية، وإنما أن نفتح الملف الأكبر والأكثر إلحاحاً: ملف النخبة السودانية كلها. كيف تشكل وعيها؟ وكيف تعاملت مع المجتمع السوداني؟ وكيف خلطت بين الدين والسياسة؟ وكيف صورت للناس أن الشريعة نقيض الحرية، وأن المدنية نقيض الإسلام، وأن الديمقراطية لا تكون إلا حين تنتصر رؤيتها هي؟ وكيف جعلت من الصراع السياسي معركة وجود، ثم دفعت الوطن كله ثمن ذلك؟

هذا هو السؤال الذي لا يجوز الهروب منه. لأن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تبديل الأشخاص، ولا بمجرد استبدال سلطة بسلطة، ولا بعودة ذات الخطاب القديم بأسماء جديدة. وإنما يخرج حين نُسقط القداسة عن النخب، ونُخضع أفكارها وتجاربها للمراجعة الصريحة، ونعترف بأن كثيراً ممن تحدثوا باسم الوطن طويلاً كانوا، عن قصد أو عن غير قصد، جزءاً من صناعة أزمته.

وحين نصل إلى هذه الدرجة من الصراحة، يمكن أن تبدأ الطريق الصحيحة: دولة تقوم على المواطنة والعدل وسيادة القانون، وسياسة تُحتكم إلى الناس لا إلى السلاح، ومؤسسات تُدار بالدستور لا بالأهواء، ودين محفوظ في مكانته عند الأمة، لا يُستعمل أداة للإقصاء، ولا يُصور زوراً على أنه خصم للحرية. وعندها فقط يمكن للسودان أن يخرج من هذا النفق المظلم الطويل.

لا على يد عبود جديد، ولا نميري جديد، ولا قرنق مماثل، ولا أي قوة مسلحة جديدة تُقدم للناس باعتبارها المخلص الأخير، بل بإرادة شعبٍ أنهكته التجارب، وتعب من دفع فواتير النخب، ويريد أخيراً دولةً تشبهه… لا دولةً تُفرض عليه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى