كيف يحج الماليزيون … (ما بين فقه الاستدراك وفقه الاستباق)

د. أحمد عبد الباقي
أروع ما قدمه مسلمو ماليزيا للعالم الإسلامي فكرة إنشاء صندوق ادخار استثماري وفقاً لتعاليم الشريعة الإسلامية يُمكّن كل من رغب في الحج من الماليزيين المسلمين من الحج بحيث يكفيه الصندوق مؤنة المقدرة مالياً، بدءاً بالادخار إلى الترتيب اللوجستي إلى التدريب الشرعي العملي على مجسمات الكعبة ورمي الجمرات إلى توفير سكن الحجاج وإعاشتهم في مكة والمدينة والرجوع إلى ماليزيا.
كان الحجيج الماليزيون في القرن العشرين يحجون بشكل فردي أو من خلال تنظيمات محددة، ونسبة لسيادة المؤسسات الربوية في ماليزيا آنذاك كان الحجيج المتوقعون يرفضون التعامل مع هذه المؤسسات وذلك تحرياً للمال الحلال غير الملوث بالربا لأداء فريضة الحج، لذا كان كل من يرغب في الحج يدخر أمواله في الأصول الثابتة مثل الأراضي والممتلكات والمزارع والمواشي التي تباع عندما ينوون الحج، وبعد عودتهم يواجه بعضهم صعوبات مالية، لذا بدأ التفكير في إنشاء آلية للادخار بغرض أداء فريضة الحج، فأسست الحكومة الماليزية في عام 1963 ما يعرف بـ صندوق ادخار الحج “تابونغ حاجي”
(Tabung Haji)
باللغة الماليزية، ليصبح أول مؤسسة إسلامية غير مصرفية تهدف إلى مساعدة الحجيج حين ذاك.
تطور الصندوق لاحقاً بإصدار قانون له في عام 1995م ليصبح بموجبه هيئة استثمارية مالية مستقلة تعمل في مجال المصرفية الإسلامية والاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية ثم توزع الأرباح على المساهمين الذين يرغب بعضهم في أداء فريضة الحج، نـما الصندوق وتطور بسرعة فائقة وفي عام 2025م بلغ عدد المساهمين أكثر من 8.7 مليون مُودع، وتجاوزت أصوله 56 مليار دولار أمريكي، وأصبح هيئة مستقلة تحتكر خدمات الحج حصرياً (وفقاً للقانون).
كيف يعمل الصندوق؟
يبدأ المواطن الماليزي المسلم الاستثمار في مؤسسة صندوق الحج منذ الولادة، فالوالدان يستطيعان الحصول للمولود الجديد على رقم بإيداع مبلغ بسيط (لا يتجاوز 2.5 دولار)، وعندما يصل المبلغ إلى نحو خمسمئة دولار يستطيع المُودِع التسجيل في بعثات الحج وتحدد له السنة التي سيؤدي بها الفريضة حسب أسبقيته في التسجيل وربما تستمر فترة الانتظار حسب الادخار وأسبقية التسجيل لأكثر من ثلاثين أو أربعين عاماً.
الاستعداد قبل الحج:
يبدأ التحضير للحج مبكراً، فبعد انتهاء موسم الحج من كل عام يبدأ الترتيب للموسم المقبل مباشرة، من خلال جمع التقارير والمعلومات من موظفي البعثة، للبدء بعمليات التقييم ورصد الأخطاء لتجنبها في المواسم المقبلة، تبدأ التدريبات في شهر المحرم من كل عام، وتعقد الدورات لمن رشحوا للحج، مدة الدورة ساعتين أسبوعياً تدرجاً من دورات أساسية إلى أخرى متقدمة، ومع اقتراب موسم الحج يبدأ التدريب على المناسك بالمساجد، وقبل الحج بأيام بإنشاء مجسمات للكعبة والمشاعر، ويرتدي الحجاج المرشحون ملابس الإحرام للتدريب بشكل عملي، ويرافقهم بذلك المرشدون ومشرفون من مؤسسة صندوق الحج، وقبل السفر إلى أداء الحج يبقى الحجيج في معسكرات تابعة للصندوق ريثما يفوجون إلى الأراضي المقدسة.
وظيفة الصندوق:
تتولى مؤسسة “تابونغ حاجي” إدارة عمليات الحج في ماليزيا ضمن ما يُعرف ببرنامج “المؤسسة” وهو المسار الرسمي المعتمد من حكومة السعودية لاستقبال الحجاج من الدول ذات الأغلبية المسلمة. مثلاً في عام 1447هـ (2026م) أُعلنت حصة ماليزيا الأصلية البالغة 31,600 حاج، ثم أضافت وزارة الحج والعمرة السعودية ألف مقعد إضافي تُوزّع جميعها وفق قائمة الانتظار لدى “تابونغ حاجي” حيث يتجاوز عدد المسجّلين في قائمة انتظار الحج في ماليزيا مليون شخص، مما جعل متوسط فترة الانتظار يتراوح بين 30 و40 عاماً للمسجّلين الجدد وفق بيانات الصندوق مع اختلاف المدة بحسب الولاية والفئة العمرية، يمنح هذا الواقع أولوية واضحة لكبار السن ومن سجّلوا مبكراً ومن يؤدّون الفريضة لأول مرة.
تكاليف الحج ودعم الصندوق حسب فئة الدخل:
ثبّت “تابونغ حاجي” تكاليف الحج لموسم 1447هـ/2026م للسنة الثالثة على التوالي عند 33,300 رينجيت (8,440 دولار أمريكي) رغم ارتفاع النفقات في الأراضي المقدسة، وذلك عبر حجوزات مبكرة وعقود إيجار طويلة الأجل للإقامة وعقد تشغيل جوي لخمس سنوات. يقسم الصندوق حصة الحج إلى ثلاث فئات دخل معتمدة وفقًا لتصنيف الحكومة الماليزية حسب دخل الفرد السنوي، والفئات هي: B40 (الدخل المنخفض)، M40 (الدخل المتوسط)، وT20 (الدخل المرتفع)، يقدم الصندوق دعمًا ماليًا لكل فئة؛ فيدفع الحاج من فئة B40 مبلغ (15,000) رينجيت ماليزي (3,770 دولار) ويدعم الصندوق هذه الفئة ب (4,635 دولار)، تشمل إعانة حكومية بقيمة 1,000 رينجيت (254 دولار) لكل حاج. أما فئة M40 فتدفع (23,500) رينجيت (5,950 دولار)، وتُدعم ب (9,800) رينجيت (2,482 دولار)، في حين تتحمّل فئة T20 التكلفة الكاملة البالغة (33,300) رينجيت (8,440 دولار أمريكي)، وهذه الفئة لا تتلقى دعمًا لكونها مستطيعة وفقًا لمستوى دخلها.
وبذلك تبلغ قيمة المساعدات المالية (دعم الحجيج) التي سيتحمّلُها الصندوق لموسم الحج في عام 2026م حوالي 210 ملايين رينجيت (531 مليون) دولار.
استدراك واستباق فقهي:
استدرك المسلمون الماليزيون فقهيًا عندما طوروا تجربة الحج عندهم ليصبح الحج متاحًا لكل من رغب بتوفير المقدرة المالية عن طريق الادخار والاستثمار والدعم المالي؛ فلا يمكن للماليزي المسلم أداء الحج إلا عبر “تابونغ حاجي”، مما يعني توحيد الخدمة، وتيسير الرقابة، وخفض التكاليف عبر اقتصاد الحجم الكبير. وبسبب هذا التفكير تحولت العبادة إلى دورة اقتصادية، إذ لم تعد أموال الحج مجمدة في “حصالات البيوت” أو أصول ثابتة، بل أصبحت أداة استثمار في الزراعة والسياحة والبناء وإلخ…..، بما يحقق عائدًا اجتماعيًا ودينيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد. كما أن صندوق الحج مثّل نموذجًا للتعاون الحكومي والشعبي لأن “تابونغ حاجي” يتبع لمكتب رئيس الوزراء مباشرة، لكنه يُحاسب برلمانيًا، ويعمل بروح القطاع الثالث (الشركات شبه الحكومية)، مما يعد تجربة نادرة في تجارب الدول الإسلامية.
فقه استباقي:
برع تابونغ حجي في تعميم شعيرة الحج من حيث الاهتمام والتطوير عبر مسلك الديمومة والاستفادة من التقنيات الحديثة؛ فمثلاً لكل حاج سوار إلكتروني يحوي كل البيانات الشخصية بما في ذلك التاريخ الطبي ونوعية الأمراض والعلاج الذي يتلقاه، حتى يسهل متابعة الحالة الصحية للحاج. كما يرافق الحجيج في البعثة ( بالاختيار والتمحيص) اختصاصيون في الطب وعلم النفس وبعض المعاشيين من القوات الخاصة (للاستفادة منهم في حالات الطوارئ)، وكذلك طباخون لإعداد الطعام وكوادر أخرى مساعدة، كل ذلك من أجل تعظيم شعيرة الحج بحيث لا يكون بال الحاج مشغولا إلا بأداء العبادات في أثناء فترة الحج حتى يرجع.
الاستفادة من التقنيات الحديثة:
تمشيًا مع التطور التقني، أضافت إدارة الحج الماليزية في عام 2000 تطبيقًا جديدًا للاستشارات الدينية من بينها تطبيق أُطلق عليه ” (e-Taib)” ليجيب على الاستفسارات والإشكاليات المتعلقة بأداء رحلة الحج، كما يتضمن التطبيق نافذة للاستفتاء تمكّن الحاج من إرسال سؤاله للعالم المختص بأمور الحج وانتظار الرد خلال بضع دقائق من موقع مضمون، بعيدًا عن استخدامات الذكاء الاصطناعي المشاعة.
استنساخ التجربة:
أثنت السعودية وعدد من دول العالم الإسلامي على تجربة صندوق الحج الماليزي ووقفت عليها كما سعت بعض هذه الدول مثل تركيا، ليبيا، الأردن، والبوسنة للاستفادة منها، وكذلك زار وفد من إدارة الحج والعمرة السودانية الصندوق قبل عدة سنوات بغية الاستفادة من التجربة التي في تقديري جديرة بالاستفادة منها متى ما توفرت الإرادة.



