رأي

السودان بين الموازنة والترضيات

فؤاد قباني

السودان، ذلك القطر المترامي الأطراف، ذو السهول الواسعة والأراضي المنبسطة، يُعد من أكثر الدول حظاً بمياه الأمطار والأنهار. كما يتميز بتنوع المناخ والتربة، وهذا التنوع وحده يمثل مقومات اقتصاد دولة قوية يمكن أن تتصدر دول العالم في مجالات الزراعة والأمن الغذائي.

والحمد لله الذي زادنا من فضله وخيراته، فوهب بلادنا معادن نفيسة كالذهب واليورانيوم والسيليكا والكوارتز، إضافة إلى الحديد والكاولين وغيرها من الثروات المعدنية. ويُعد الكاولين من المعادن المهمة التي يُقاس بها تقدم الدول، إذ يدخل في صناعات عديدة تبدأ بالأواني المنزلية ولا تنتهي بالمعدات الكهربائية.

هذا فضلاً عن الثروة الحيوانية والسمكية، وهي موارد تجعل السودان محط أنظار الدول الكبرى، الساعية إلى الاستفادة من هذه الثروات، رضينا أم أبينا.

وهنا يبرز السؤال: هل يعلم رؤساؤنا وساستنا حقيقة هذه الموارد وأهميتها؟

إن كانوا يعلمون، فإن عليهم واجبات واحتياطات كثيرة لحماية البلاد وثرواتها. أما إذا كان بعضهم لا يعلم، فتلك هي الكارثة التي ينفذ من خلالها المتربصون بأمن السودان وثرواته.

السودان محسود ومرصود، والسبب هو موارده الهائلة.

واليوم يجتمع رهط من الساسة السودانيين في أديس أبابا للتفاكر حول حل مشكلة السودان، بينما بعضهم جزء من هذه المشكلة. هذا لا يقبل بذاك، وأولئك لا يقبلون بهؤلاء، فتعددت المنابر وتعددت العواصم، ولكن أين الحل؟

قد يكون الحل مُراً، وقد لا يعجب الحديث الجميع إلا من رحم ربي.

أولاً: يجب أن يكون الحوار سودانياً خالصاً داخل البلاد، وعلى مائدة مستديرة، وأن يتحلل الجميع من التزاماتهم الخارجية وتأثيراتها.

صحيح أن البعض يُخوِّن البعض الآخر، لكن علينا أن نتصافى، وأن يقبل بعضنا بعضاً، وأن يبدأ هذا التصافي بين جميع المكونات الفاعلة، بما فيها صمود، وتأسيس، والدعم السريع، والمؤتمر الوطني.

وليعلم الجميع أن هناك جهات تسعى إلى إقصاء بعض الأطراف ومنعها من المشاركة في الحوار، وإذا تم ذلك فسيكون الأمر أشبه بقنبلة موقوتة؛ فقد تنتهي الحرب عسكرياً، لكن السودان لن يتعافى، ولن تتوقف أسباب الصراع.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل توقفت صادرات السودان من الصمغ العربي وغيره أثناء الحرب؟

الإجابة: لا.

فهناك من يستخرج هذه الموارد ويصدرها أو يهربها، ما يعني أن مصالح الآخرين مستمرة حتى في ظل الحرب.

والأهم من ذلك أن تُنشئ الدولة مستشارية اقتصادية تضم أهل النزاهة والخبرة والفهم العميق لمناقشة ملف الموارد، فهو أصل المشكلة بالنسبة لمن يدركون حقيقة الصراع.

علينا أن نحدد بوضوح كيف نعطي وكيف نأخذ. ولنعلم أن القسمة قد تكون غير مُرضية في بداياتها، فقد بدأت بعض الدول النفطية بنسب محدودة لم تتجاوز 18% من عائدات مواردها، ثم ارتفعت تدريجياً حتى استردت كامل حقوقها بنسبة 100%.

لن تجد من يمنحك شيئاً بلا مقابل، فالأمر كله قائم على قاعدة: خذ وهات.

إن جميع الدول التي شهدت حروباً ونزاعات انتهت في نهاية المطاف إلى الصلح والتصافي، وعلينا أن نتحلى بالشجاعة الكافية للعودة إلى إرثنا السوداني الأصيل، القائم على التسامح والعفو وجبر الخواطر.

قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.

أم أننا نريدها حرباً تستمر بلا نهاية؟

فلنصدق النوايا، ولنخلص في القول والعمل، ولنجعل مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

واستوووا يرحمكم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى