قراءة في سياسة التعليم التقني والمهني في ماليزيا: الجامعات نموذجاً

د. أحمد عبد الباقي
لم تعد الوصمة الاجتماعية والنظرة الدونية للتعليم التقني والمهني في ماليزيا هاجساً للمجتمع مقارنة بالاهتمام بالدرجات الجامعية الأكاديمية، وبذلك أصبح التعليم التقني والمهني حجر الزاوية الأساسي في استراتيجية ماليزيا الاقتصادية من حيث تخريج العمالة الماهرة والخريجين ذوي المهارات التقنية العالية التي تستشرف مستقبل سوق العمل في العصر الحديث، لتصنع جيلاً من المخترعين وقادة الصناعة المتطورة في ماليزيا. لذا وضعت ماليزيا “سياسة التعليم التقني والمهني لعام 2030م” التي ارتفعت بفضل تدابيرها نسبة القبول للتعليم التقني والمهني من 40,767 طالباً في عام 2023م إلى 423,276 طالباً في عام 2024م، كما بلغ عدد مؤسسات التعليم التقني والمهني 1,398 مؤسسة، مما يعكس تغيراً في الوصمة الاجتماعية السلبية في ماليزيا تجاه التعليم التقني والمهني، الذي بلغت نسبة استيعاب خريجي مؤسساته في سوق العمل بعد التخرج 94.5% -99%، بل إن بعض طلاب هذه المؤسسات حصلوا على عروض توظيف قبل تخرجهم.
تقدم مؤسسات التعليم التقني والمهني في ماليزيا برامجها على أساس أنها تعليم مستمر مدي الحياة، لذا فهي توفر تدريباً ودراسة نظامية تُمنح بموجبها شهادات ودبلومات وسيطة وبكالوريوس ودبلومات عليا وماجستير ودكتوراه على التوالي حسب المؤهلات ونظام التعليم والتدريب المستمر لمختلف شرائح المجتمع الماليزي؛ لتصبح تلك الشرائح منتجة ومشاركة في تطور البلاد. ولتعدد تلك المؤسسات ونظمها، تركز هذه المساحة على جامعات التعليم التقني والمهني التي تُعد نقلة نوعية لتخريج كوادر ذات تدريب عالٍ يوائم متطلبات سوق العمل في القرن الحادي والعشرين في عصر الثورة الصناعية الرابعة؛ لذا رُبط التعليم التقني والمهني في ماليزيا بالصناعات المستقبلية المتقدمة مثل صناعة السيارات الكهربائية، وأشباه المُوصِلات، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي. ولتحقيق ذلك، وُضعت مناهج مؤسسات التعليم التقني والمهني على نحو يواكب التطور المتوقع في سوق العمل المستقبلية، فركزت تلك المناهج على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، خاصة أن ماليزيا تسعى لتصبح مركزاً إقليمياً للتعليم التقني والمهني بالتعاون مع الصين وبريطانيا، كما تحتضن ماليزيا المجلس المهني والتقني الإقليمي للآسيان حول السياسات الإقليمية والتدريب في مجال التعليم التقني والمهني.
جامعات التعليم التقني والمهني:
كان لماليزيا في عام 2000 عدد من الكليات الجامعية التي تقدم برامج للدراسات التقنية المهنية، ثم رُفعت هذه الكليات في عام 2007م إلى أربع جامعات للتعليم التقني والمهني (Technical & Vocational Education and Training Universities – TVET) و تضم: جامعة ملاكا التقنية (ولاية ملاكا)، جامعة برليس (ولاية برليس) ، جامعة بهانق (ولاية بهانق) وجامعة تون حسن عون (ولاية جهور). ضُمَّت هذه الجامعات في تجمع أُطلق عليه شبكة الجامعات التقنية والمهنية (MTUN)؛ وذلك تمكيناً للحوكمة وتعزيزاً للفاعلية.
ميزات جامعات التعليم التقني والمهني:
(أ) التركيز على الجانب العملي في الدراسة التي تشمل التدريب التقني والمهني في تخصصات هندسية مختلفة وحديثة تواكب التطور والتحديث المرتبط بالثورة الصناعية الرابعة، كما أنها تُعد الطالب في الجانب الاستثماري وريادة الأعمال ليصبح الخريج مؤهلاً لإنشاء مشروع استثماري وتجاري قائم على التخصص الذي تخرج فيه، بل أكثر من ذلك، علمتُ من الجامعة التقنية في ملاكا أن الدولة تساعد الخريجين الماليزيين في الحصول على قروض مالية لريادة الأعمال وإنشاء عمل استثماري خاص بهم، كما أن بعض كليات الهندسة تدرس مادة أو مادتين عن الاستثمار وريادة الأعمال التجارية.
(ب) تُركز بنود صرف ميزانية هذه الجامعات على الدراسات الهندسية والتقنية مقارنة بالجامعات الشاملة التي توزع ميزانيتها على عدة بنود وكليات، مما يعني أن للجامعات التقنية ميزانية كافية بلغت (2 مليار دولار) في عام 2026م، خُصصت للتعليم التقني والمهني بصورة عامة.
(ج) توفير تعليم طويل الأمد مؤسس على تحسين المعارف والمهارات المهنية بصورة مواكبة تناسب سوق العمل في ظل الثورة الصناعية الرابعة؛ حيث أُنشئت في هذه الجامعات مراكز للتعليم الجامعي التقني والمهني، وهي شبيهة بالمصانع التعليمية التي تشبه المستشفيات التعليمية لكليات الطب الجامعية، تهدف هذه المراكز إلى إعداد الطلاب في مجال التدريب الصناعي واكتساب الخبرة في مجال دراستهم، بحيث يجمع الطالب بين التعليم النظري والتطبيقي والخبرة العملية الموائمة للصناعات الحديثة.
(د) تحظى البرامج الأكاديمية لهذه الجامعات باعتراف وكالة الاعتماد الماليزية (MAQ)، وأيضاً مجلس الاعتماد الهندسي الماليزي Malaysia Engineering Accreditation Council (EAC)
(هـ) يحصل خريجو هذه الجامعات على شهادة تسجيل من المجلس التقني الماليزي Malaysian Broad of Technologists (MBOT)، وهو جهة مهنية مناط بها منح شهادات التسجيل لهؤلاء الخريجين.
تعهد التعليم التقني والمهني بالاهتمام:
تعهدت الحكومة الماليزية بتطوير وتحديث التعليم التقني والمهني، حيث أصدرت قراراً في عام 2025م بتكوين هيئة للتعليم التقني والمهني، ووفرت لها ميزانية بمليون دولار، ورفعت الحد الأدنى لأجور خريجي التعليم التقني والمهني، وتبنت الخطة التنموية الماليزية الثالثة عشرة توفير (700 ألف) وظيفة في مجال التصنيع و(500 ألف) أخرى في مجال الاقتصاد الرقمي وذلك بحلول عام 2030م. كما رصدت (2 مليار) دولار ميزانية للتعليم التقني والمهني لعام 2026م، متضمنة تدريب حوالي 79 ألف طالب في المجال التقني والمهني لهذا العام، ولتحقيق تلك الأهداف المذكورة أعلاه، صممت ماليزيا مناهج التعليم التقني والمهني على نحو يواكب تطور الثورة الصناعية الرابعة والصناعات المستقبلية المتقدمة مثل صناعة السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي؛ فركزت تلك المناهج على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، خاصة وأن ماليزيا تسعى لتصبح مركزاً إقليمياً للتعليم التقني والمهني بالتعاون مع الصين وبريطانيا، وهي تحتضن المجلس المهني والتقني الإقليمي للآسيان لحوار السياسات الإقليمية والتدريب في المجال التقني والمهني.
ماذا عن السودان:
عهدت حكومة السودان بتطوير التعليم التقني والمهني إلى المركز القومي للتعليم المهني والتقني الذي تأسس عام 2005م. ويقع على عاتقه تطوير التعليم التقني والمهني، وإضافةً لأهداف المركز المعلنة، يحتاج السودان لوضع سياسات تساعد على نشر التوعية بأهمية التعليم التقني والمهني لتغيير الوصمة الاجتماعية السائدة في المجتمع السوداني، التي تنظر للتعليم التقني والمهني بنوع من الإذراء والدونية مقارنة بالتعليم الأكاديمي، مما يقلل أو حتى يضعف الحماس للتعليم التقني والمهني. كما تبرز ضرورة التركيز على أن التعليم التقني والمهني عملية تعليمية مستمرة مدى الحياة لمختلف الأعمار حسب مقدراتهم ومستواهم التعليمي، ليستفيدوا من ذلك التعليم والتدريب في رفع مستوى دخلهم والمشاركة في عملية الإعمار، وكذلك ضرورة الاهتمام بالخريجين عبر وضع سياسات لرفع مستوى تدريبهم أو إعادة تأهيلهم بما يعرف بـ (Upskilling and Reskilling)، بالإضافة إلى ضرورة زيادة التفاعل والتواصل مع المؤسسات الدولية في الأمم المتحدة مثل اليونسكو، ممثلة في مركز اليونسكو للتدريب في المجال التقني والمهني، والتعاون مع شبكة الجامعات، والاستفادة من خطة اليونسكو حول تحويل التعليم والتدريب في المجال التقني والمهني من أجل عملية انتقالية ناجحة وعادلة : (2022-2029) يمكن الحصول على الاستراتيجية من مكتبة اليونسكو الرقمية
(UNESCO Digital Library).
عموماً، في ظل حاجة السودان الماسة للإعمار، يمكن القول بإن لتجربة ماليزيا جوانب مهمة جداً يمكن الاستفادة منها، مع العلم -للأسف- أنه كانت هنالك تجارب سابقة للسودان لم يُقصر فيها الجانب الماليزي أبداً، ولكن العتب علينا نحن السودانيين (دون تسمية تلك الجهات) لعدم أخذنا الأمور بالجدية والعزيمة الكافية لمجابهة التحديات سابقاً، والتي ما زالت ماثلة حالياً.
والله المستعان.



