أفورقي في القاهرة… تحالف مصالح وتقارب استراتيجي في مواجهة الطموحات المتزايدة بالمنطقة

القاهرة – المحقق – صباح موسى
تأتي زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي إلى القاهرة اليوم في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وسط تطورات متسارعة تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وكذلك استمرار الحرب في السودان، كما تسلط الزيارة الضوء على مستوى التنسيق المتنامي بين مصر وإريتريا بشأن عدد من الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها السودان وأمن البحر الأحمر، في ظل تحديات إقليمية متزايدة تفرض على البلدين تعزيز التشاور والتعاون للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
تعزيز العلاقات
واستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الإثنين، نظيره الإريتري أسياسي أفورقي في القاهرة، حيث عقد الجانبان مباحثات تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وعدد من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وأكد الرئيسان خلال المباحثات أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بشأن القضايا الإقليمية بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التشديد على تعزيز التعاون المشترك بين مصر وإريتريا في مختلف المجالات.
وحدة السودان
وفيما يتعلق بالشأن السوداني، شدد الجانبان على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض أي خطوات أو ترتيبات من شأنها المساس بوحدة البلاد أو تقويض مؤسساته، كما تناولت المباحثات تطورات الأوضاع في البحر الأحمر، حيث أكد الرئيسان أهمية الحفاظ على أمن واستقرار الممرات المائية وتعزيز التعاون بين الدول المشاطئة بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويعزز الأمن الإقليمي.
رؤية مشتركة
ويرى خبراء أن زيارة الرئيس الإريتري إلى القاهرة تعكس استمرار مسار متصاعد من التنسيق السياسي والاستراتيجي بين مصر وإريتريا، وأنه تقارب لم يعد مقتصراً على العلاقات الثنائية فحسب، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بملفات إقليمية حساسة على رأسها السودان وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه العلاقات بين البلدين زخماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة تمثل في تبادل الزيارات واللقاءات المتكررة بين الرئيسين السيسي وأفورقي حيث تعد هذه الزيارة الخامسة لأفورقي للقاهرة في عهد السيسي، الأمر الذي يعكس وجود رؤية مشتركة تجاه عدد من القضايا الإقليمية، ويمنح هذه اللقاءات أهمية إضافية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
ضرورة استراتيجية
ويبدو السودان اليوم أحد أبرز دوافع التقارب بين القاهرة وأسمرة، إذ ينظر البلدان إلى استقراره باعتباره ضرورة استراتيجية لأمن المنطقة بأكملها، فمصر ترى أن استمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي ويؤثر على أمن حدودها الجنوبية، بينما ترتبط إريتريا بحدود طويلة مع شرق السودان وتتابع عن كثب التطورات السياسية والعسكرية هناك. كما يتفق البلدان على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ورفض أي سيناريوهات قد تقود إلى التفكك أو إطالة أمد الصراع، وهو ما يفسر الحضور الدائم للملف السوداني في البيانات المشتركة واللقاءات الرئاسية بين الجانبين.
أمن البحر الأحمر
كما يشكل البحر الأحمر نقطة التقاء استراتيجية بين القاهرة وأسمرة، فمصر تعتبر أمن البحر الأحمر جزءاً من أمنها القومي المباشر، بينما تعد إريتريا إحدى الدول المطلة على هذا الممر البحري الحيوي الذي يشهد تنافساً دولياً وإقليمياً متزايداً. ومن هذا المنطلق يتبنى البلدان موقفاً متقارباً يقوم على ضرورة اضطلاع الدول المشاطئة للبحر الأحمر بالدور الرئيسي في إدارة قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، مع الحد من التدخلات الخارجية التي قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني، وقد ازدادت أهمية هذا الملف في ظل التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، سواء المرتبطة بالحرب في السودان أو الاضطرابات في بعض دول القرن الأفريقي أو التحديات التي تواجه الملاحة الدولية.
القرن الأفريقي
في الوقت نفسه لا يمكن فصل التقارب المصري الإريتري عن التوازنات الجارية في القرن الأفريقي، إذ تتشارك القاهرة وأسمرة رؤى متقاربة تجاه عدد من القضايا الإقليمية وتسعيان إلى تعزيز التنسيق السياسي لمواجهة التحديات الأمنية التي قد تؤثر على استقرار المنطقة. كما تنظر إريتريا إلى مصر باعتبارها شريكاً إقليمياً مؤثراً يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، بينما ترى القاهرة في أسمرة لاعباً مهماً بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأحمر وتأثيرها في ملفات القرن الأفريقي.
كثرة الزيارات
وتعكس كثرة الزيارات واللقاءات بين الرئيسين خلال السنوات الأخيرة انتقال العلاقة من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى أعلى من التشاور الاستراتيجي، فالتطورات المتلاحقة في السودان، والتحديات الأمنية في البحر الأحمر، والتغيرات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، جميعها عوامل تجعل التنسيق المستمر بين البلدين أمراً ضرورياً. كما أصبحت القاهرة إحدى المحطات الرئيسية للرئيس أفورقي عند مناقشة الملفات الإقليمية الكبرى، ما يشير إلى تنامي الثقة السياسية بين القيادتين وإدراكهما لأهمية العمل المشترك في القضايا التي تمس الأمن والاستقرار في الإقليم.
المصالح المشتركة
ويمكن القول إن العلاقات المصرية الإريترية تمر حالياً بإحدى أكثر مراحلها تقارباً منذ سنوات، مدفوعة بتوافق واضح حول ملفات السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومع استمرار الأزمات الإقليمية الراهنة، من المرجح أن يتواصل هذا التنسيق وأن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من اللقاءات والمشاورات بين البلدين في إطار السعي إلى حماية مصالحهما المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
أهمية الزيارة
وتأتي هذه الزيارة للرئيس أفورقي إلى القاهرة في إطار التنسيق المستمر بين البلدين حيال القضايا الإقليمية، خاصة التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي والأوضاع في السودان. وهو ما يطرح تساؤلات حول أهمية هذه الزيارة في هذا التوقيت، والرسائل التي تعكسها تجاه الأوضاع في السودان والمنطقة، والجهات التي تستهدفها تلك الرسائل سياسياً واستراتيجياً.
محاصرة النفوذ
من جانبه رأى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي الدكتور محمد تورشين أن زيارة أفورقي للقاهرة تأتي في ظل التنسيق والتعاون بين البلدين، وكذلك بين القاهرة والسودان والقاهرة والصومال، في إطار محاولة محاصرة النفوذ الإثيوبي في المنطقة. وقال تورشين لـ”المحقق” إن إثيوبيا أصدرت تصريحات متكررة تعبر عن رغبتها في الحصول على إطلالة على البحر الأحمر أو المحيط الهندي لمعالجة ما تصفه بالعزلة الجغرافية، مشيراً إلى أن أديس أبابا تركز بصورة كبيرة على البحر الأحمر، الأمر الذي يجعلها تمثل مصدر قلق مباشر لإريتريا.
رغبة توسعية
وأضاف تورشين أن إثيوبيا لديها رغبة توسعية باتجاه الجانب الإريتري، وأن أسمرة تحاول من خلال هذه الزيارة تعزيز شراكاتها مع دول المنطقة، خصوصاً أن مصر من الدول التي لديها تباين في وجهات النظر مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وعدد من القضايا المرتبطة بملف المياه، مؤكدا أن توحيد هذه الجبهة ومواقفها تجاه إثيوبيا يأتي في إطار رؤية تقوم على تعزيز العلاقات الثنائية لمواجهة التهديدات، سواء كانت عسكرية أو سياسية، مستشهداً بتجربة سد النهضة وفرض سياسة الأمر الواقع من جانب أديس أبابا، وهو ما دفع عدداً من دول المنطقة إلى إبداء مخاوفها، وفي مقدمتها إريتريا، تجاه القضايا المرتبطة بالتوسع والنفوذ الإثيوبي.
رسالة لإثيوبيا
وأشار تورشين إلى أن خيارات أسمرة تقوم على أبعاد تنسيقية وأمنية عبر الشراكة مع مصر، بهدف إيصال رسالة إلى إثيوبيا -بشكل أو بآخر-، بأن الأطراف التي لديها خلافات معها تتجه نحو توحيد مواقفها في إطار جبهة واحدة لمواجهة التحديات المشتركة، لافتاً إلى أن إثيوبيا تتهم مصر بأنها تمثل عائقاً أمام تحقيق مصالحها في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مؤكدا أن هذه الزيارة ستكون لها تداعيات مهمة على صعيد تعزيز الشراكات والتنسيق السياسي والأمني بين البلدين، ومحاولة الحد من تمدد النفوذ الإقليمي بالمنطقة.



