رأي

تقييم اليونيسف: قطاع المياه والإصحاح البيئي في السودان .. مؤسسات صامدة تحت الضغط وتحديات كبرى لإعادة البناء

 

 

د. عمار أبكر عبد الله

أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) السودان في 9 يونيو 2026 نتائج التقييم الوطني لقدرات قطاع المياه والإصحاح البيئي (WASH) في السودان، بهدف تقييم قدرات المؤسسات العامة والخاصة العاملة في القطاع في ظل النزاع المستمر وتداعياته على تقديم الخدمات الأساسية.

وأظهرت نتائج التقييم الوطني، حجم التأثير العميق الذي خلفته الحرب على المؤسسات المسؤولة عن توفير خدمات المياه والصرف الصحي والإصحاح البيئي في البلاد. ووفقاً للتقييم، لا تزال المؤسسات الحكومية الرئيسية، وعلى رأسها هيئات المياه بالولايات، وإدارات صحة البيئة، وبرامج المياه والإصحاح البيئي، تحتفظ بولاياتها القانونية واختصاصاتها المؤسسية. إلا أن قدرتها التشغيلية تراجعت بصورة كبيرة نتيجة النزاع المستمر، وما صاحبه من فقدان للكوادر الفنية، وتراجع الموارد المالية، وانهيار سلاسل الإمداد، وضعف الرقابة والإشراف المؤسسي.

قبل اندلاع الحرب، كانت أكثر من 70% من مؤسسات القطاع تعمل بهياكل تنظيمية فاعلة، رغم وجود تفاوت في القدرات بين الولايات. أما خلال فترة النزاع، فقد تعرضت أكثر من نصف هذه المؤسسات إلى تخريب وأعطال، وانخفضت القدرة التشغيلية الإجمالية إلى نحو 45% فقط من مستواها السابق.

كما كشف التقييم عن خسائر بشرية كبيرة داخل المؤسسات، حيث تراوحت نسبة فقدان العاملين بين 35% و55% نتيجة النزوح والهجرة وتعطل الرواتب، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على تشغيل محطات المياه وشبكات التوزيع وبرامج الرقابة الصحية.

وفي جانب آخر، أدى انهيار سلاسل التوريد وصعوبات الاستيراد إلى نقص حاد في قطع الغيار والمضخات والمواد الكيميائية ومعدات التشغيل والصيانة، مما انعكس على استمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين.

وتشير نتائج التقييم إلى أن تغطية خدمات المياه والإصحاح البيئي قد انخفضت بنحو 30% مقارنة بالفترة السابقة للحرب، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتراجع القدرات المؤسسية والفنية.

أما القطاع الخاص، الذي كان يمثل شريكاً أساسياً في عمليات حفر الآبار وصيانة الأنظمة الكهروميكانيكية وتوفير المواد والمعدات، فقد شهد بدوره تراجعاً كبيراً. فقد تقلصت أنشطته الجغرافية بصورة ملحوظة، وتوقفت أو تقلصت أعمال ما يقارب ثلثي الشركات العاملة في المجال بسبب تقلبات سعر الصرف وصعوبات الاستيراد وتعطل إجراءات الشراء والتعاقد.

وفي ظل هذا الواقع … أصبحت المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية تمثل العمود الفقري التشغيلي لقطاع المياه والإصحاح البيئي في السودان، حيث تسد فجوات كبيرة في تقديم الخدمات الإنسانية العاجلة. إلا أن طبيعة التدخلات الحالية لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المشروعات قصيرة الأجل، مما يبرز الحاجة إلى نهج أكثر تكاملاً يركز على إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز استدامة الخدمات.

وقد أوصى التقييم بمجموعة من الإجراءات العاجلة والمتوسطة والطويلة المدى، تشمل استقرار تشغيل مرافق المياه، واستعادة أنظمة المعلومات والبيانات، ودعم الكوادر الفنية، وإعادة تأهيل سلاسل الإمداد، وتطوير آليات تمويل مستدامة، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص في التشغيل والصيانة.

إن نتائج هذا التقييم تؤكد أن إعادة إعمار السودان لا يمكن أن تقتصر على البنية التحتية وحدها، بل يجب أن تشمل إعادة بناء المؤسسات الوطنية وقدراتها الفنية والإدارية والمالية. فالمياه والإصحاح البيئي ليست مجرد خدمات أساسية، بل تمثل حجر الزاوية للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والتعافي الاقتصادي وبناء السلام.

و تكشف نتائج هذا التقييم أن التحدي لا يقتصر على إصلاح البنية التحتية المتضررة، بل يمتد إلى إعادة بناء القدرات المؤسسية والبشرية التي تشكل أساس استدامة خدمات المياه والإصحاح البيئي. وفي هذا السياق، يوفر المنتدى الأفريقي للمياه المزمع عقده في إنجمينا خلال يوليو 2026 فرصة مهمة لطرح احتياجات السودان ضمن النقاشات الإقليمية حول الأمن المائي … وحشد الدعم الفني والمالي اللازم لاستعادة الخدمات الأساسية وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على قيادة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى