رأي

بين الامتثال والتحديث الرقمي: كيف يستعيد السودان موقعه في النظام المصرفي العالمي؟

 

 

د. مروة فؤاد قباني **

 

 

في الوقت الذي احتفت فيه الأوساط المصرفية السودانية بحصول شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) على اعتماد سويفت العالمي كمكتب خدمة (SWIFT Bureau Service)، عاد إلى الواجهة سؤال جوهري ظل مطروحاً منذ سنوات: كيف يمكن للقطاع المصرفي السوداني أن يعيد الاندماج فعلياً في النظام المالي العالمي؟

 

يمثل اعتماد EBS خطوة مهمة جدًا في مسار تطوير البنية التحتية المالية السودانية، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على التحدي الأكبر الذي يواجه السودان منذ عقود، والمتمثل في استعادة الثقة الدولية وإعادة بناء العلاقات المصرفية الخارجية التي تضررت بفعل سنوات طويلة من العقوبات والعزلة الاقتصادية.

 

ورغم الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية الأمريكية الشاملة عن السودان في أكتوبر 2017، ثم شطب اسمه من قائمة الدول الداعمة للإرهاب في عام 2020، فإن الواقع العملي يشير إلى أن القطاع المصرفي السوداني لم يتمكن بعد من استعادة علاقاته الطبيعية مع عدد كبير من البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الدولية.

 

هذه المفارقة تكشف حقيقة مهمة؛ فالعقبة الأساسية لم تعد قانونية، بل أصبحت مرتبطة بمفاهيم الامتثال وإدارة المخاطر التي تحكم عمل المؤسسات المالية العالمية في العصر الحديث.

 

من العقوبات إلى العزلة الاحترازية:

خلال ما يزيد عن العقدين من العقوبات الاقتصادية، انسحبت معظم البنوك العالمية من السوق السودانية وأغلقت العديد من علاقات المراسلة المصرفية. وخلال تلك الفترة أعادت المؤسسات المالية الدولية تصميم أنظمتها الرقابية وبرامج الامتثال الخاصة بها، بحيث أصبحت تنظر إلى السودان باعتباره سوقاً عالي المخاطر.

 

ومع مرور الوقت، ترسخت سياسات ما يعرف بـ”تقليل المخاطر” (De-risking)، وهي سياسة تتبعها البنوك العالمية لتجنب التعامل مع الأسواق التي قد تترتب عليها مخاطر قانونية أو تنظيمية مرتفعة، حتى وإن لم تكن خاضعة لعقوبات مباشرة.

 

وبالتالي، فإن رفع العقوبات لم يكن كافياً لإعادة العلاقات المصرفية تلقائياً، لأن البنوك العالمية لا تتعامل فقط مع النصوص القانونية، بل تنظر أيضاً إلى جودة أنظمة الامتثال والحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر في الدول والمؤسسات التي تتعامل معها.

 

كما أن محدودية حجم الاقتصاد السوداني وتراجع مساهمته في التجارة العالمية يجعلان العديد من البنوك الدولية تتردد في تحمل تكاليف الامتثال العالية المطلوبة للعمل في السوق السودانية مقارنة بالعائد التجاري المتوقع.

 

لغة العالم المصرفي .. الامتثال قبل الأرباح:

 

في البيئة المصرفية الحديثة، لا تبحث البنوك المراسلة الكبرى عن الأرباح وحدها، بل عن بيئات تشغيلية آمنة وممتثلة للمعايير الدولية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة دمج السودان في النظام المالي العالمي تتطلب تبني برنامج إصلاح شامل يقوم على الالتزام الصارم بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، وفقاً لمتطلبات مجموعة العمل المالي (FATF).

 

كما يتطلب الأمر تطوير أنظمة “اعرف عميلك” (KYC) و”اعرف مؤسستك” (KYB)، بحيث تصبح عمليات التحقق من العملاء والشركات أكثر دقة وشفافية، مع الاعتماد على الحلول الرقمية الحديثة بدلاً من الإجراءات التقليدية.

 

ويضاف إلى ذلك ضرورة تطبيق أنظمة الفحص اللحظي لقوائم العقوبات الدولية وربط الأنظمة المصرفية المحلية بصورة مباشرة بقواعد بيانات العقوبات العالمية، بما يضمن منع أي معاملات قد تعرض البنوك السودانية أو شركاءها لمخاطر قانونية أو تنظيمية.

 

التحديث الرقمي شرط للعودة..

ولكن الامتثال وحده لا يكفي:

 

فالنظام المالي العالمي بات يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والبيانات والرقابة الآلية، وهو ما يجعل تحديث البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي السوداني ضرورة لا خياراً.

 

وفي هذا السياق، يبرز اعتماد EBS كمكتب خدمة لسويفت باعتباره خطوة مهمة نحو تحديث منظومة المدفوعات والمراسلات المالية. فمن المتوقع أن يسهم هذا الاعتماد في خفض تكاليف الربط بشبكة سويفت، وتسهيل وصول المصارف السودانية إلى الخدمات العالمية، وتعزيز قدرة البنك المركزي على الرقابة والإشراف على المعاملات الخارجية.

 

كذلك يتعين على المصارف السودانية الإسراع في تبني معيار ISO 20022 العالمي، الذي أصبح المعيار الجديد لرسائل المدفوعات الدولية. فهذا المعيار يتيح تبادل بيانات مالية أكثر تفصيلاً وتنظيماً، الأمر الذي يسهل عمليات الفحص والامتثال لدى البنوك المراسلة ويقلل من حالات رفض أو تأخير التحويلات.

 

كما أن الالتزام ببرنامج الامتثال الأمني الخاص بسويفت (SWIFT CSP) أصبح أحد المتطلبات الأساسية لحماية البنية المالية من التهديدات السيبرانية المتزايدة.

 

أهمية البنية التحتية:

 

وتتجاوز عملية التحديث حدود المصارف الفردية لتشمل بناء بنية تحتية رقمية وطنية متكاملة.

 

فالتجارب الدولية الناجحة تشير إلى أن الهوية الرقمية الوطنية، وأنظمة الدفع الفورية، والمحولات الوطنية للمدفوعات (National Switches)، أصبحت تشكل الأساس الذي تقوم عليه الخدمات المالية الحديثة.

 

وكلما زادت قدرة المؤسسات المالية على تبادل البيانات بصورة آمنة وموحدة، ارتفعت مستويات الشفافية وسهولة الرقابة، وانخفضت مخاطر الامتثال التي تقلق المؤسسات المالية الدولية.

 

ماذا يجب أن تفعل المؤسسات المصرفية؟

 

نجاح هذه الرؤية يتطلب تنسيقاً كاملاً بين البنك المركزي والمصارف التجارية.

 

فعلى البنك المركزي مواصلة تطوير الأطر التشريعية والرقابية بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية، وفرض رقابة فعالة على تطبيق معايير الامتثال وإدارة المخاطر داخل المصارف.

 

وفي المقابل، تحتاج البنوك التجارية إلى الاستثمار في تحديث أنظمتها المصرفية الأساسية، وتبني حلول التكنولوجيا المالية الحديثة، وتوظيف أدوات التحليل الذكي والذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن الأنشطة المالية المشبوهة.

 

كما يظل الاستثمار في العنصر البشري عاملاً حاسماً، عبر تأهيل كوادر متخصصة في الامتثال وإدارة المخاطر والأمن السيبراني، والحصول على الشهادات المهنية الدولية المعتمدة في هذه المجالات.

 

ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة الشفافية والإفصاح المالي، من خلال نشر البيانات المالية المدققة والالتزام بمعايير كفاية رأس المال والسيولة وفقاً لمتطلبات بازل الدولية، بما يعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الخارجية.

 

ما بعد الحرب:

 

لا يمكن تجاهل تأثير الحرب الحالية على القطاع المصرفي، فهي أضافت طبقة جديدة من المخاطر التشغيلية والائتمانية والتنظيمية، ودفعت العديد من المؤسسات الدولية إلى تبني مزيد من الحذر في تعاملها مع السودان.

 

ومع ذلك، فإن بناء أنظمة الامتثال والحوكمة وتحديث البنية الرقمية لا ينبغي أن ينتظر انتهاء الأزمة. فهذه الإصلاحات تمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأجل سيحدد قدرة السودان على الاستفادة من أي فرصة مستقبلية للاندماج الاقتصادي العالمي.

 

ختاماً:

إن العزلة المصرفية التي يعيشها السودان اليوم ليست حصاراً قانونياً بقدر ما هي انعكاس لبيئة مخاطر مرتفعة وتحديات امتثال متراكمة عبر سنوات طويلة. ولذلك فإن الطريق إلى النظام المالي العالمي لا يمر عبر القرارات السياسية وحدها، بل عبر بناء مؤسسات مصرفية قادرة على التحدث بلغة العالم المصرفي الحديثة: الامتثال، والشفافية، والحوكمة، والتكنولوجيا.

 

وفي هذا الإطار، يمثل اعتماد EBS من سويفت خطوة مهمة ومشجعة، لكنه يظل جزءاً من مشروع أكبر يتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً. وعندما تستقر الأوضاع السياسية والأمنية، ستكون الجاهزية التقنية والتنظيمية التي يتم بناؤها اليوم هي الجسر الحقيقي الذي يعيد ربط السودان بشرايين التجارة والاستثمار والتمويل العالمية والانفتاح العالمي.

 

 

** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى