الثمن الذي دفعه السودان: عندما غابت استراتيجية الدولة للتعليم

عادل الرفاعي أبو الحسن
إذا أردنا أن نفهم جانباً مهماً من أسباب تعثر السودان وتراجع مسارات التنمية فيه، فعلينا أن نتوقف أمام سؤال جوهري ظل حاضراً في الواقع السوداني، وإن لم يحظ بما يستحقه من النقاش:
ماذا خسر السودان حين غابت استراتيجية الدولة للتعليم؟
فالقضية لا تتعلق بوجود المدارس والجامعات أو بزيادة أعداد الخريجين، وإنما بوجود رؤية وطنية واضحة تحدد دور التعليم في خدمة التنمية، وتربط مخرجاته باحتياجات المجتمع والاقتصاد ومستقبل البلاد.
لقد ظلت الأسرة السودانية، عبر الأجيال، تؤدي دورها تجاه التعليم بإيمان عميق بقيمته وأثره في تحسين حياة الأفراد والأسر. فضحت من أجله بالمال والجهد والوقت، وربطت النجاح بالتفوق الدراسي والحصول على الشهادات. ولولا هذا الإيمان المجتمعي الراسخ لما احتفظ التعليم بمكانته في الوجدان السوداني رغم ما مرت به البلاد من أزمات وتحديات.
غير أن ما قامت به الأسرة كان ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع وطني تقوده الدولة، لا بديلاً عنه. فوظيفة الأسرة أن تشجع أبناءها على التعلم، أما وظيفة الدولة فهي أن تضع الاستراتيجية التي تحدد فلسفة التعليم وأهدافه واتجاهاته، وأن تربط بين مخرجاته واحتياجات التنمية الوطنية.
لكن التعليم في السودان استمر، في كثير من المراحل، من دون استراتيجية وطنية مستقرة وواضحة. فاجتهدت الأسر وفق ما تراه أفضل لمستقبل أبنائها، وأصبح الحصول على الشهادة ثم الوظيفة هو المسار الأكثر وضوحاً والأكثر أمناً في نظر المجتمع.
ومن هنا بدأ التحول الكبير..
فمع مرور الزمن لم يعد التعليم يُنظر إليه باعتباره وسيلة لبناء الإنسان المنتج والمبدع والقادر على صناعة التغيير، بل أصبح النجاح الأكاديمي هدفاً قائماً بذاته. وتحولت الشهادة من أداة للمعرفة إلى غاية اجتماعية يُقاس بها النجاح والمكانة. وأصبح السؤال السائد: ما الشهادة التي يحملها الشخص؟ وما الوظيفة التي حصل عليها؟ أكثر من السؤال: ماذا يستطيع أن ينتج؟ وماذا يمكن أن يضيف إلى وطنه ومجتمعه؟
وهكذا انشغلنا بالوصول أكثر من انشغالنا بما بعد الوصول، واحتفينا بالشهادة أكثر مما احتفينا بالأثر الذي يفترض أن تصنعه. وتحولت الوسيلة إلى غاية، وأصبح التعليم في كثير من الأحيان طريقاً إلى الوظيفة بدلاً من أن يكون طريقاً إلى الإنتاج والإبداع والتنمية.
أما الدول التي حققت نهضتها فلم تترك التعليم يتحرك بلا بوصلة، بل ربطته بأهدافها الاقتصادية والزراعية والصناعية والعلمية، وجعلت منه أداة لإعداد الكفاءات التي تحتاجها لتحقيق خططها التنموية. فالتعليم في الدول الناجحة ليس قطاعاً منفصلاً عن مشروع الدولة، وإنما أحد أهم أدوات تنفيذه.
وهنا يبرز سؤال مهم:
كيف يمكن لدولة تمتلك إمكانات زراعية هائلة أن تترك التعليم بعيداً عن احتياجات القطاع الزراعي ؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن التصنيع والإنتاج بينما لا توجد استراتيجية تعليمية متكاملة تخدم هذه الأهداف؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد قوي إذا لم تكن مخرجات التعليم مرتبطة بما يحتاجه المجتمع وسوق العمل وقطاعات الإنتاج المختلفة؟
ولعل من أقوى الشواهد السودانية على أهمية وجود استراتيجية وطنية للتعليم تجربة المعهد الفني (معهد الكليات التكنولوجية، والآن جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا). فلم يكن إنشاء هذه المؤسسة مجرد توسع في التعليم، بل جاء استجابة مباشرة لرؤية تنموية أدركت حاجة البلاد إلى كوادر فنية وتقنية مؤهلة قادرة على تلبية متطلبات الإنتاج والخدمات والبنية التحتية.
وقد نجحت هذه التجربة في تخريج أجيال من الفنيين والتقنيين الذين أسهموا في دعم قطاعات الاقتصاد المختلفة داخل السودان وخارجه. وتكمن أهميتها في أنها تقدم دليلاً عملياً على أن الدولة عندما تحدد احتياجاتها التنموية بوضوح، ثم توجه التعليم لإعداد الموارد البشرية اللازمة لها، تصبح مخرجات التعليم أكثر ارتباطاً بالتنمية وأكثر قدرة على خدمة المجتمع والاقتصاد.
لقد خسر السودان الكثير بسبب غياب هذا النوع من التفكير الاستراتيجي. خسر فرصة بناء منظومة تعليمية مرتبطة بأولويات التنمية الوطنية، وخسر فرصة تحويل المعرفة إلى إنتاج، وخسر سنوات طويلة كان يمكن أن تتراكم خلالها الخبرات الوطنية في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية.
فالأمم لا تتقدم بكثرة الشهادات وحدها، وإنما بتراكم الخبرات والمعارف والمهارات التي تتحول إلى إنتاج وقيمة مضافة وتنمية مستدامة. وعندما تغيب الاستراتيجية تتسع الفجوة بين التعليم واحتياجات الواقع، وتصبح مخرجاته أقل قدرة على الإسهام في بناء الاقتصاد والمجتمع.
إن أزمة السودان لم تكن في نقص الموارد، ولا في ضعف القدرات البشرية، بل في غياب مشروع وطني مستقر يربط التعليم بالتنمية ويجعله جزءاً من رؤية شاملة للدولة. وربما وُجدت مبادرات وأفكار ورؤى في مراحل مختلفة، لكن ما افتقدناه باستمرار هو الاستراتيجية القادرة على الاستمرار، والمؤسسات القادرة على تنفيذها، والإرادة الوطنية القادرة على حمايتها من التقلبات السياسية وتغير الحكومات.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى تعديلات جزئية في المناهج، ولا إلى زيادة أعداد الجامعات والكليات فحسب، وإنما إلى إعادة بناء استراتيجية الدولة للتعليم من جذورها، بحيث تصبح جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية السودان للتنمية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
ويجب أن تنطلق هذه الاستراتيجية من سؤال بسيط وعميق في آن واحد: ما نوع الكفاءات التي يحتاجها السودان خلال العقود القادمة؟ ثم يُبنى التعليم بكل مراحله ومساراته وتخصصاته للإجابة العملية عن هذا السؤال.
إن أخطر ما خسره السودان لم يكن نقص الأموال أو قلة الموارد، بل غياب استراتيجية الدولة للتعليم، لأن هذا الغياب لم يؤثر على قطاع التعليم وحده، وإنما انعكس على الاقتصاد والإنتاج والإدارة وسوق العمل ومسار التنمية بأكمله. وعندما تغيب استراتيجية التعليم، تغيب معها القدرة على إعداد الإنسان الذي تحتاجه الدولة لتحقيق أهدافها.
ولهذا فإن استعادة دور الدولة في رسم استراتيجية التعليم لم تعد ترفاً فكرياً ولا قضية تخص التربويين وحدهم، بل أصبحت ضرورة وطنية ترتبط بمستقبل السودان نفسه. فنهضة البلاد لن تبدأ من زيادة عدد الخريجين أو التوسع الكمي في المؤسسات التعليمية، وإنما من وجود رؤية وطنية واضحة تجعل التعليم أداة لبناء الإنسان وتحريك الإنتاج وتحقيق التنمية الشاملة.
وربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستوعبه اليوم هو أن التعليم لا يقود التنمية بذاته، بل بقدر ما يكون جزءاً من مشروع وطني واضح المعالم والأهداف. فحين تمتلك الدولة استراتيجية تعليمية مرتبطة برؤيتها التنموية، يصبح التعليم قوة دافعة للتقدم؛ أما حين تغيب هذه الاستراتيجية، فإن الوطن يدفع الثمن جيلاً بعد جيل



