
المحقق – نازك شمام
“نحن في خطر حقيقي ونعيش حرباً أخرى”، بهذه العبارة عبّرت سمية بابكر، المواطنة السودانية التي لجأت إلى دولة مصر بعد الحرب، عن ارتفاع قيمة الجنيه المصري أمام السوداني ووصوله إلى 100 جنيه أمام الجنيه السوداني الواحد.
ويشهد الجنيه السوداني تراجعاً مخيفاً أمام العملات الأجنبية منذ الأسبوع الماضي، ووصل سعره أمام الدولار إلى 4950 جنيهاً في تداولات أمس (الخميس).
وتقول سمية التي تحدثت لــ”المحقق” إن “الهبوط الكبير للجنيه السوداني أمام الجنيه المصري وضع اللاجئين السودانيين في مأزق حقيقي”.
وأكدت على أن جميع الحسابات الاقتصادية الموضوعة لعيش حياة كريمة انتفت بالظروف الاقتصادية التي يعاني منها السودان.
ويعيش السودانيون في مصر ظروفاً بالغة التعقيد في ظل حملات شعبية تنادي بترحيلهم إلى السودان، بجانب الظروف الاقتصادية الصعبة.
وتقدر الحكومة المصرية عدد اللاجئين السودانيين على أراضيها بأربعة ملايين لاجئ، دخل 1.5 مليون لاجئ منهم عبر الطرق الرسمية.
وأكد المواطن السوداني الذي يعيش بضاحية فيصل بالجيزة، السر عبدالله، على أن الوضع المعيشي للسودانيين في مصر أضحى في غاية السوء.
وقال عبدالله لـ”المحقق”: “نحن أمام خيارين؛ البقاء في مصر تحت رحمة الجنيه السوداني، أو العودة إلى السودان في ظل الغلاء الفاحش”.
وأضاف: “أنا أقطن في منطقة لا يزال سكانها بعيدين وتخلو فيها مظاهر الحياة، ولا أستطيع العودة إليها في الوقت الراهن، وفي ذات الوقت لا أستطيع أن أعيش بصورة جيدة في مصر عقب صعود الجنيه المصري ووصوله إلى 100 جنيه”.
وأوضح أن التحويلات البنكية الشهرية المرسلة له من ابنه أضحت لا تفي بنصف قيمة إيجار الشقة التي يستأجرها بفيصل، والتي تعد من أرخص المناطق إيجاراً.
بدوره، أشار المواطن السوداني محمد إبراهيم إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن يدفع السودانيين الموجودين على الأراضي المصرية إلى العودة إلى السودان، خاصة من يملكون عقارات للسكن.
وأكد على أن الوضع الراهن للجنيه السوداني لا يمكّن السودانيين من العيش بالخارج في ظل موارد محدودة، يأتي أغلبها من السودان عبر التحويلات البنكية.
وكشف لــ”المحقق”: عن وجود مئات الأسر السودانية التي تستعد للعودة إلى السودان والعيش فيه، على الرغم من غياب الخدمات عن أغلب الأحياء بالعاصمة الخرطوم.
من جهته، أكد تاجر يعمل في مجال التحويلات المالية للسودانيين –فضّل حجب هويته– أن هنالك اضطراباً كبيراً في أسواق العملات السودانية أثّر بطريقة كبيرة على اللاجئين في مصر.
وقال لــ”المحقق”: “لقد أوقفنا العمل خلال اليومين الماضيين لعدم استطاعتنا مجاراة الأسعار، ولأن السعر يتحرك على رأس الساعة بما يجعل من الصعوبة بمكان مواكبته”.
وعن الاتهامات التي تلاحقهم بأنهم المتسببون في هذا الارتفاع، أوضح أن أسعار العملات ناتجة عن عوامل العرض والطلب وهو الأمر المعروف، مشيراً إلى أن هنالك طلباً كبيراً على العملات من شركات استيراد الوقود ساهم في خفض قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
وأكد على فشل الحكومة في السيطرة على أسعار العملات من خلال القرارات الأخيرة، والتي تشمل حظر استيراد السلع ووضع ضوابط جديدة لمستوردي الوقود.
ويرى الخبير الاقتصادي، وليد دليل، أن النصف الأول من العام الجاري شهد تحولاً جذرياً في السياسة التسعيرية للمصارف السودانية الرسمية، والتي أنهت فترة طويلة من الجمود النظري لتنتقل إلى ما وُصِف بـ “المرونة الإجبارية”.
وقال إن البنوك الرسمية، وفي مقدمتها بنك الخرطوم وبنك أم درمان الوطني، اضطرت إلى إجراء تعديلات حادة في أسعار الصرف التأشيرية لتقليص الفجوة مع الواقع؛ حيث قفز السعر الرسمي للدولار في المعاملات البنكية ليتراوح ما بين 3350 إلى 3450 جنيهاً سودانياً للشراء والبيع، في محاولة من البنك المركزي لجذب تحويلات المغتربين عبر القنوات النظامية.
إلا أن دليل في حديثه مع “المحقق” يؤكد أنه ورغم هذه التحركات الرسمية، استمر السوق الموازي (الأسود) في قيادة المضاربات مستفيداً من الشح الفعلي للنقد الأجنبي بالمصارف، ليسجل الدولار أرقاماً قياسية تتراوح بين 4500 إلى 4700 جنيه في مراكز الثقل التجاري مثل بورتسودان والخرطوم، مدفوعاً بزيادة الطلب على استيراد المشتقات البترولية والسلع الأساسية.
وقال إن استنزاف الاحتياطيات النقدية، وتراجع إيرادات الصادرات الزراعية والنفطية، إلى جانب التمويل بالعجز (طباعة العملة) لتغطية المجهود الحربي، قاد الاقتصاد إلى تضخم حلزوني يتآكل معه الجنيه يومياً، في وقت تحولت فيه التطبيقات البنكية (مثل بنكك وفوري) إلى منصات أساسية لإدارة السوق الرقمي الموازي وتسوية العملات الأجنبية في دول الجوار والخليج.
وأكد أن الرؤية المصرفية المطروحة ترى أن تجاوز هذه الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة يتطلب الانتقال الفوري من الحلول الأمنية التقليدية إلى الإدارة الاقتصادية اللامركزية القادرة على التكيف مع استثنائية المشهد السوداني الرأي.



