رأي

( الحياة البسيطة) أو الفرق بين الرغبة والحاجة !!

 

 

محجوب فضل بدري

 

(الكرم) هو عنوان أهل السودان رسمياً وشعبياً تجده عند الفقير قبل الغني، وعند النساء قبل الرجال ولكن!!

ولنضرب مثالاً على الكرم الرسمي فأننا نبذل التشريفات على كل زائر فلا يصل بلادنا مسؤول مهما كانت درجة وظيفته، سفيراً كان أو وزيراً أو أقل من ذلك إلا ونيح له أن يقابل به رئيس الجمهورية في حين أن العرف السائد في الدبلوماسية لا يقر بذلك!!

 

وفي الزيارات الرسمية لرؤساء الدول يتلقى الضيف السلام الجمهوري لبلاده وبلادنا ويفتش طابور الشرف وتسبقه وتحف بموكبه التشريفات، بينما لا تُعامل بالمقابل زيارات رئيس السودان بذات الكيفية !! وغير ذلك كثير.

 

وفى الجانب الشعبى نجد الافراط في الكرم لدرجة البذخ في كل المناسبات الاجتماعية من زواج أو مأتم وما بينهما، ونجد المبالغة في إكرام الضيف الذي تكفيه بضع لقيمات وقد نحرنا له أو ذبحنا !! حتى لو كنا لا نطيق ثمن الوجبة العادية، والكرم من السجايا التي نتغنى بها ونقول (جَدَّك يضبح الشايل).

ولكن الظروف تَغيَّرت ولم نتغيَّر !!

 

كشفت الحرب أعظم ما فينا وهو التكافل، مثلما أظهرت أسوأ ما فينا وهو الطمع والحسد والأنانية وغير ذلك من الصفات الذميمة، وقد يحتاج ذلك إلى كثير من المراجعة، وحتى نتحرر من مثل هذه المثالب والعيوب هناك تجارب لكثيرٍ من الناس الذين فكروا وقدروا لكى يعيش الواحد منهم على الحد الأدنى من الضروريات ويتصدق بالفائض من ممتلكاته الصغيرة.

 

من كان عنده فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضلُ زادٍ فليعد به على من لا زاد له.كما جاء في الحديث الصحيح الذى رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلَّ الله عليه وسلم

 

وقد قال أبو سعيد الخدري حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل، أي شعر الصحابة بعظم الحث على البذل والعطاء حتى كأن الإنسان لا ينبغي أن يحتفظ بما يفيض عن حاجته إذا كان غيره محتاجاً إليه.

تشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم

إنَّ التشبُّهَ بالكرامِ فلاحُ .

 

فكرة بسيطة ندعو لتنفيذها على مستوى الأفراد على مختلف المستويات، ونطمع أن يطبقها كل مسؤول على مستوى القيادات لأن إعادة البناء تحتاج لكل شئ يفيض عن الحاجة ولنفرق بين الرغبة في التملك وبين الحاجة !!

وهذا هو بيت القصيد، فمن كان يتناول وجبتين أو ثلاث تكفيه واحدة. ومن كان يسكن في بيت حدادي مدادي ليكتفي بغرفة أو غرفتين. ومن يمتلك من الملابس عشرات القطع فليقنع منها بما يرتديه في الخروج وما يرتديه فى المنزل فالمرء لا يملك غير جسد واحد فلن يلبس كل ملابسة عند خروجه، ولن ينتعل أكثر من جوز من الأحذية لأنه ببساطة لا يملك غير قدمين أثنين، ولن ينام على سريرين في وقت واحد وليست هناك ضرورة لكثير من الزينة سواء أن كانت لتزيين البيت أو لزينته الشخصية، وهكذا سنجد أن لدينا كميات من الملابس والأحذية والطعام والأثاث لا نحتاج إليها فعلياً فهي فائض ينبغى التعامل معه بمسؤولية مثل ما يقوم جهاز التخلص من الفائض في وزارة المالية بعمله، للمقارنة مع الفارق !!

 

هى دعوة للحياة البسيطة وفرصة لمحاربة شح النفس وكبح الشهوة والتحرر من نمط حياة المدينة بالتخلص من الفائض الذي يتراكم في منازلنا فلا نحن نستخدمه ولا نحن بقادرين على الأستغناء عنه !!

والبدايات موجودة هنا وهناك لا تحتاج سوى لتنظيم وتنسيق يجعل منها باباً من أبواب الخير والتكافل تحت عنوان عريض هو العودة إلى الحياة البسيطة التي نشأنا عليها في القرية!! حيث لا ثلاجات يحفظ فيها الطعام الزائد ولا يعرف أهل القرية الفلهمة التي تستدعي كسوة الحوائط بالأقمشة الفاخرة التى يسمونها الستائر !! ولا تحتفظ نساء القرية بأطقم من الأواني المختلفة لتقديم الطعام أو لشرب الشاي، المطلوب فقط حلة وصحن وكفتيرة وكباية ومعلقة وكمشة تزيد أو تنقص فهي أواني للاستخدام الفعلي وليست للزينة أو التفاخر .

 

وأن تعجب فعجبٌ أن يُرفع شعار سنعيدها سيرتها الأولى!! وكأنها كانت مثالية!! لابد من أن نفكر ملياً في كيفية إعادة الإعمار، فالدمار الذي أحدثته الحرب هو فرصة كبيرة لكي نتجنب أخطاء الماضى ونعيد صياغة تفكيرنا قبل أن نعيد بناء ما هدمته المليشيا الارهابية التي أفادتنا من حيث أرادت الاضرار بنا، ورُبَّ ضارةٍ نافعة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى