رأي

الثمن الاستراتيجي للفرص الضائعة (1) الصمغ العربي: حين تتحول الميزة النسبية إلى فرصة غير مكتملة

عادل الرفاعي أبوالحسن

تمثل هذه المقالة الحلقة الأولى من سلسلة «الثمن الاستراتيجي للفرص الضائعة»، وهي سلسلة تسعى إلى قراءة الفجوة بين الإمكانات الكبيرة التي يملكها السودان وبين محدودية تحويلها إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

ولا تنطلق هذه القراءة من فرضية نقص الموارد، بل من سؤال أكثر عمقاً كيف يمكن لبلد يمتلك موارد نادرة، وخبرات متراكمة، ودراسات ومبادرات متعددة، أن يعجز عن تحويلها إلى نتائج تتناسب مع حجم الإمكانات المتاحة؟

ويأتي الصمغ العربي نموذجاً مثالياً لهذه الإشكالية، لأنه يجمع بين وفرة المورد، واستقرار الطلب العالمي، وتعدد الاستخدامات، والأهمية البيئية، ومع ذلك ما تزال القيمة المتحققة أقل بكثير مما تسمح به الإمكانات الحقيقية.

 

أولاً: مورد عالمي فريد وقيمة تُصنع خارج السودان:

يرتبط السودان عالمياً بالصمغ العربي بوصفه موطنه التاريخي وأكبر منتجيه، حيث تنتشر أشجار الهشاب في حزام بيئي واسع يمثل القاعدة الأساسية للإنتاج.

ويُعد الصمغ العربي من المواد الطبيعية ذات الاستخدامات المتعددة، إذ يدخل في:

 

– الصناعات الدوائية.

– الصناعات الغذائية.

– المشروبات والعصائر والمشروبات الغازية.

– مستحضرات التجميل.

– المواد الحافظة والمستحلبة.

– تطبيقات صناعية وصحية متخصصة.

وتشير التقديرات إلى أن السودان ظل لعقود طويلة يستحوذ على نحو 70% إلى 80% من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، بينما تُقدَّر قيمة السوق العالمي بما يقارب مليار دولار سنوياً أو أكثر.

لكن المفارقة أن الجزء الأكبر من القيمة المضافة لا يتحقق داخل السودان، بل في مراحل التصنيع والتحويل وإعادة التصدير التي تتم خارج حدوده.

 

ثانياً: المشكلة ليست في غياب المبادرات

لم يكن قطاع الصمغ العربي يوماً غائباً عن الاهتمام الرسمي أو البحث العلمي. فقد أُعدت دراسات متخصصة، وطُرحت مبادرات عديدة، ونُفذت مشروعات استهدفت تطوير الإنتاج وتحسين التسويق وتنظيم المنتجين.

غير أن السؤال الذي ظل مطروحاً هو:

إذا كانت الدراسات موجودة والمبادرات مطروحة، فأين الأثر؟

فالتحدي الحقيقي لم يكن في نقص الأفكار أو ضعف المعرفة، وإنما في ضعف القدرة على تحويل المبادرات إلى برامج مستمرة، والسياسات إلى نتائج ملموسة، والمشروعات إلى أثر اقتصادي وتنموي مستدام.

 

ثالثاً: فرصة تنموية يمكن أن يستفيد منها الجميع

يمثل الصمغ العربي واحداً من أندر النماذج الاقتصادية التي تتقاطع فيها مصالح المنتج والدولة والمجتمع والبيئة في وقت واحد.

فهو يوفر:

1. دخلاً مباشراً للمنتجين والأسر الريفية.

2. حصائل صادرات للدولة.

3. فرص عمل وتنمية للمجتمعات المحلية.

4. فوائد بيئية واسعة النطاق.

لكن هذه الحلقة لم تكتمل بسبب تذبذب السياسات، وضعف الاستمرارية المؤسسية، وغياب الرؤية طويلة المدى التي تربط بين الإنتاج والتصنيع والتسويق.

 

رابعاً: القيمة الحقيقية تبدأ بعد الحصاد

تكمن القيمة الاقتصادية الكبرى للصمغ العربي فيما بعد الإنتاج، لا في بيع المادة الخام.

فالصناعة الحديثة تعتمد على عمليات:

1. التنقية والمعالجة.

2. الاستخلاص والتحبيب.

3. الطحن وفق المواصفات المطلوبة.

4. ضبط الجودة والاعتماد الفني.

وتختلف المواصفات المطلوبة بحسب الاستخدام النهائي في الصناعات الدوائية أو الغذائية أو التجميلية.

ولهذا فإن مستقبل القطاع لا يرتبط بزيادة الإنتاج وحدها، وإنما ببناء صناعة تحويلية قادرة على إنتاج منتجات مطابقة للمعايير الدولية، والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا تبرز أهمية الشراكات التقنية والصناعية مع الأسواق والشركات المستوردة لنقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء قيمة مضافة حقيقية داخل السودان.

 

خامساً: البعد البيئي… ثروة موازية لا تقل أهمية

لا تقتصر أهمية الهشاب على إنتاج الصمغ العربي، بل تمتد إلى دوره البيئي الكبير.

فالتوسع في زراعته يسهم في:

1. تكوين أحزمة خضراء واسعة.

2. الحد من التصحر وزحف الرمال.

3. حماية التربة من التدهور.

4. تحسين التنوع الحيوي.

5. توفير موائل طبيعية للطيور والكائنات النافعة.

كما تساعد أشجاره في تحسين خصائص التربة الفيزيائية وزيادة المادة العضوية ورفع قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة والعناصر الغذائية.

وهذه الآثار لا تظهر بصورة فورية، بل تتراكم تدريجياً مع مرور الزمن، وهو ما يجعل الهشاب أحد أهم مكونات التنمية البيئية المستدامة في المناطق الجافة وشبه الجافة.

كما يفتح هذا البعد المجال للاستفادة من برامج التمويل المناخي ومبادرات مكافحة التصحر وتحسين البيئة التي توفرها المؤسسات والمنظمات الدولية.

 

سادساً: الصمغ العربي كمورد سيادي

إذا كان النفط مورداً سيادياً في بعض الدول، فإن الصمغ العربي يمتلك من الخصائص ما يؤهله ليكون مورداً سيادياً للسودان.

غير أن ذلك يتطلب الانتقال من إدارة النشاط إلى إدارة القطاع بمنظور استراتيجي، يقوم على:

1. تطوير الشجرة والمنتج معاً.

2. حماية الغطاء الشجري من القطع الجائر.

3. تأهيل المنتجين وتدريبهم ورفع إنتاجيتهم.

4. دعم الجمعيات والتعاونيات الإنتاجية.

5. إدخال التقنيات الحديثة في الإنتاج والحصاد.

6. التوسع المدروس في زراعة الهشاب.

ومن المسارات الواعدة في هذا المجال التوسع في استخدام الزراعة النسيجية لإنتاج شتول محسنة بأعداد كبيرة وفي فترات زمنية أقصر، بما يدعم خطط التوسع والإحلال والتجديد.

 

سابعاً: مسارات مقترحة لإعادة بناء القطاع

لا تدّعي هذه المقالة تقديم حلول نهائية، لكنها تطرح عدداً من المسارات التي تستحق الدراسة:

– إنشاء جسم قومي موحد يتولى قيادة القطاع وتنسيق أدواره.

– توحيد السياسات والقرارات والحد من تعدد الرسوم والجبايات.

– التحول من الجباية والإدارة إلى التطوير والإنتاج.

– بناء قاعدة بيانات دقيقة للأشجار والإنتاج.

– تحديث وسائل الإنتاج والحصاد.

– الاستفادة من التمويل البيئي الدولي.

– تطوير التصنيع التحويلي والشراكات التقنية.

– استقرار سياسات الصادر والتسعير.

– تعزيز الحماية القانونية للغابات وأشجار الهشاب.

فالهدف ليس زيادة الصادرات فقط، بل بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول المورد.

 

خاتمة: المشكلة ليست في المورد بل في المنظومة

إن خسارة السودان في قطاع الصمغ العربي لا تتمثل في انخفاض الإنتاج وحده، بل في ضياع القيمة المضافة، وتعثر التصنيع، وتأخر بناء منظومة اقتصادية وبيئية متكاملة حول مورد يمتلك كل مقومات النجاح.

فالمورد موجود، والخبرة متوافرة، والأسواق قائمة، والدراسات متراكمة، لكن الحلقة المفقودة ما تزال تتمثل في القدرة على تحويل هذه العناصر إلى مشروع وطني مستدام.

ويبقى السؤال الجوهري:

إذا كانت الفرصة واضحة بهذا القدر، فلماذا ما زالت النتائج أقل من الإمكانات؟

ذلك هو جوهر الثمن الاستراتيجي للفرص الضائعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى