أسعار الوقود في السودان.. عصيان على الانخفاض

المحقق – نازك شمام
نفذت عدة ولايات سودانية زيادات في أسعار الوقود خلال الأسابيع الماضية، بحجة ارتفاع الأسعار العالمية عقب أزمة إغلاق مضيق هرمز وتداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
ورغم تراجع أسعار الوقود عالمياً في الأيام الماضية، إلا أن الأسعار في السودان لم تشهد أي انخفاض، ما أثار استياء واسعاً بين المواطنين الذين طالبوا الحكومة بمراجعة أسعار الوقود لانعاكاسها المباشر على أسعار السلع والخدمات وبالتالي تخفيف الأعباء الاقتصادية.
والأسبوع الماضي طبقت ولاية الخرطوم زيادة غير معلنة على أسعار البنزين، بنسبة 13% عن الأسعار القديمة؛ حيث قفز سعر اللتر من 5999 جنيهاً إلى 6647 جنيهاً.
وجاءت الزيادة على الرغم من تراجع الأسعار العالمية للوقود عقب استئناف الملاحة في مضيق هرمز أمام ناقلات النفط العالمية.
تراجع الأسعار العالمية:
وتراجعت أسعار النفط العالمية نهاية الأسبوع الماضي إلى أقل من 72 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى منذ 27 فبراير الماضي، مع تسارع عبور الشحن عبر مضيق هرمز وتخفيف حدة التوترات بين أمريكا وإيران.
وجاءت التراجعات بعد ارتفاع كميات البترول في الأسواق مع تحرك السفن علناً في الممر المائي وانتشار شائعات عن تقدم في مفاوضات لاتفاق بين واشنطن وطهران.
وتفاقمت أزمة الوقود في الأسواق السودانية، مدفوعة بعدم استقرار سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، والأزمة المستمرة بين بعض شركات الاستيراد ووزارة النفط حول آلية الاستيراد الجديدة.
ورغم تراجع أسعار النفط العالمية والتحسن الطفيف في سعر الجنيه السوداني، ظلت أسعار الوقود مرتفعة دون أي انخفاض يُذكر.
القطاع الخاص:
ويرى وزير النفط الأسبق، المهندس إسحاق جماع، أن تراجع أسعار النفط العالمية وتحسن سعر الجنيه السوداني لم يؤثرا على أسعار الوقود المحلية. وقال إن تولي القطاع الخاص غير المتخصص لعملية الاستيراد يساهم في ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن عمليات الشراء تتم غالباً عبر السوق الفوري الأغلى، مع شراء الدولار من السوق الأسود.
وأوضح جماع في حديثه مع “المحقق” أن تولي القطاع الخاص لأمر استيراد الوقود يساهم بشكل كبير في عدم انخفاض الأسعار.
وأشار إلى أن هنالك حلقة مهمة لابد من استيعابها، أي ما يسمى بسلسلة الإمداد، وهي مجموعة الإجراءات من شراء، ونقل، وتفريغ في الميناء، وتخزين في المستودعات المتخصصة، ومن ثم النقل عبر خطوط السكة حديد أو خطوط الأنابيب أو الناقلات البرية، والمستودعات الوسيطة حتى محطات الخدمة أو ما يسمى طلمبات الوقود”.
وأضاف: “إن هذه الخطوات كلها مجتمعة تسمى سلسلة الإمداد، وتحتاج إلى كفاءة فنية وإدارية لانسيابها، وذلك بعد القدرة على كيفية الشراء ابتداءً”.
ولفت جماع إلى أن عمليات بيع الوقود في سوق البترول العالمي تتم عبر طريقتين: 90% نظام الآجل (Forward)، و10% الفوري (Spot) مع وجود فرق في السعر بين الطريقتين.
ونوه إلى أن مشكلة السودان في الفترة الأخيرة أنه سمح للقطاع الخاص غير المتخصص –وبدون أدوات سلسلة الإمداد من تخزين ونقل وتوزيع– بالاستيراد بأسعار السوق الفوري وشراء الدولار من السوق الموازي؛ وبالتالي أدى ذلك إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني.
وأوضح جماع أن شراء باخرة واحدة سعة 40 ألف طن يمكن أن يؤثر على سعر العملة السودانية، كما حدث سابقاً في زمن وزير المالية بدر الدين محمود عندما انخفض سعر الجنيه من 10 جنيهات للدولار إلى 28 جنيهاً.
وأكد جماع عدم وجود أي أثر للتحسن الطفيف في سعر الجنيه السوداني ولا إنخفاض أسعار النفط عالمياً، على المنتجات البترولية، خاصة أن الاستيراد يتم عبر القطاع الخاص بأسعار عالية من السوق الفوري، وأيضاً يتم شراء الدولار عبر المضاربات ومن ثم الاستيراد عبر تسعيرة محملة بكل التكلفة زائد الأرباح، مما يؤدي إلى التضخم الهائل في الأسعار.
وشدد على أهمية أيلولة عملية الاستيراد لوزارة الطاقة “عبر مؤسسة البترول”، وأن يكون الاستيراد عبر اتفاقيات دولة لدولة بنظام الآجل (Forward) من دول الخليج الشقيقة وعلى رأسها السعودية.
آلية التسعير التلقائي:
وفي المقابل، يرى الصحفي المتخصص في شؤون النفط، عبد الوهاب جمعة، أن عدم تراجع أسعار الوقود في الأسواق المحلية يعود إلى توقف “آلية التسعير التلقائي لأسعار الوقود”، وهي الآلية التي صُممت في عام 2020 عقب أكبر عملية إصلاح اقتصادي شهدتها البلاد بدعم من صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي شملت تحرير أسعار الصرف وتوحيدها.
وأشار جمعة إلى أن الآلية قد ساهمت سابقاً في مرونة أسعار الوقود ارتفاعاً وانخفاضاً تماشياً مع المؤشرات الدولية، بعد أن نجحت في تحييد عامل سعر صرف الجنيه.
وقال جمعة إنه “قبل 2020، كانت أسعار المحروقات ترتفع في السودان حتى لو انخفض النفط عالمياً، بسبب الانفلات في سعر الصرف والتشوهات الاقتصادية”.
وأوضح أن التحسن الطفيف في الجنيه لم ينعكس على المستهلكين بسبب تعقيدات الحرب وتحديات الاستيراد.
السوق الفورية:
وكشف جمعة عن لجوء المستوردين إلى الشراء من السوق الفورية، موضحاً أن السودان يشتري احتياجاته من البنزين والديزل عبر السوق الفورية، الأكثر كلفة مقارنة بعقود الآجل طويلة المدى، وذلك في وقت تشهد فيه أسواق الديزل ووقود الطائرات شحاً عالمياً بسبب أزمة مضيق هرمز وتحول إنتاج المصافي العالمية نحو السوق الآسيوية.
قيمة الضرائب:
ولفت جمعة إلى تأثير ارتفاع قيمة الضرائب الحكومية المفروضة على الوقود، والتي باتت تلتهم نحو ثلث (33%) القيمة الإجمالية للمحروقات.
وأضاف: أن تجاوز هذه الأزمة وضمان استقرار الإمدادات يتمثل في طرح مناقصة دولية لإمداد الوقود مع شركات عالمية كبرى، مما يضمن إمداداً مستقراً وآمناً وبأسعار تنافسية، بجانب العمل الفوري على زيادة سعة مستودعات الوقود، وتوسيع وتحديث معدات المناولة والتفريغ في “ميناء الخير” النفطي.
وشدد على أهمية إطلاق جولة صيانة شاملة لـ “مصفاة الخرطوم” بالتعاون مع شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، بالتوازي مع التفاهم مع دولة جنوب السودان لتزويد المصفاة بالنفط الخام. ويمكن تمويل هذه الصيانة عبر استغلال عائدات نقل ومعالجة خام جنوب السودان في محطة الجبلين وميناء بشائر على البحر الأحمر.
هل من إنخفاض قريب ؟
وفق ما ذهب إليه الخبراء يبدو أنه من غير المرجح أن تشهد أسعار الوقود في السودان انخفاضاً ملحوظاً في ظل التحديات الحالية، بدءاً من توقف الإنتاج المحلي وتدهور مصفاة الخرطوم، وصولاً إلى الاعتماد على الاستيراد عبر السوق الفورية الأغلى، وزيادة الضرائب الحكومية، ويظل الحل في إعادة النظر في آليات الاستيراد وتفعيل اتفاقيات “دولة لدولة” مع الدول المنتجة، مع العمل على إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية المحلية لضمان استقرار الأسعار وتخفيف العبء على المواطنين.



