رأي

مسعد بولس… والبحث عن نصر دبلوماسي في زمن الهزائم

 

د. محمد يوسف حسن

بينما تقصف مسيرات المليشيا الإرهابية مستشفى الأبيض وأسواقها، يقف مسعد بولس في نيويورك ليحاسب الحكومة بزعم رفضها الورقة الأمريكية، متجاهلاً دم المدنيين الذي لم يذكره بيان واحد.
في الدبلوماسية، الصمت أحياناً أبلغ من الكلام. والكلام نفسه لا يساوي شيئاً إذا لم يُسأل: من يقوله، ولماذا الآن، وعلى حساب من؟
جاء مسعد بولس إلى مجلس الأمن لا ليحكي عن هدنة، بل ليروي رواية. رواية مختصرة جداً: أن رئيس مجلس السيادة رفض الورقة الأمريكية، وأن واشنطن ما زالت تطرق الباب، وأن العقوبات قادمة لمن لا يفتح.
هذه ليست إحاطة فنية عن مسارات إنسانية. هذه إعلان ولادة لمسار جديد تحاول واشنطن أن تطلقه من رحم المجلس: مسار لا يمر بجدة، ولا يستأذن الاتحاد الأفريقي، ولا ينتظر تقرير بيكا هافيستو. مسار اسمه “أمريكا أولاً”، ومفتاحه بيد صهر الرئيس، لا بيد المبعوث الأممي.

والسؤال الذي تجاهلته الرواية كان أخطر من كل ما قيل: ماذا عن الطرف الآخر؟ هل قبل فعلاً؟ وهل يملك على الأرض ما يوقفه إذا وقّع؟ فالتوقيع على الورق يسير، أما إسكات المدافع وإطلاق المسيرات على رؤوس الناس في الأبيض فهذه معادلة لا يحلها بيان.

نحن نعرف هذا المشهد. رأيناه قبل عام حين وقف غوتيريش يعلن هدنة أسبوع في الفاشر، ثم تحولت المدينة بعدها إلى عنوان للفظائع. ورأيناه في الكونغو حين وقّع رئيسان اتفاق “واشنطن” أمام ترامب، فانتهكته المليشيات بعد أربعة أيام. في الحالتين كان النص واحداً: لقطة سريعة، وسردية جاهزة، وتنفيذ مؤجل إلى ما لا نهاية.
جاء مسعد بولس إلى مجلس الأمن لينطق بما لم يجرؤ غيره على قوله صراحة: الخرطوم رفضت، والدعم السريع قبل. إذن العقوبة على من رفض، والشرعية لمن قبل.
لكن بولس “نسي” أن يذكر في إحاطته شيئاً واحداً: الأبيض.
نسي أن يتحدث عن المدينة التي تبيت على وقع مسيرات المليشيا الإرهابية. عن الأحياء السكنية التي استُهدفت عمداً. عن عيدية المواطنين التي تحولت إلى جنائز. عن المياه التي قُطعت، ومحطات الكهرباء التي أُطفئت، والمستشفيات التي قُصفت، والأسواق التي أُحرقت.

هذه ليست “أزمة إنسانية” مجردة في تقارير مجلس الأمن. هذه جرائم حرب تُرتكب الآن، وباسمها يُطلب من الحكومة أن “تقبل” وتُوقع.
هذا ليس حياداً. هذا انحياز سياسي مفضوح يلبس ثوب الوساطة. فالمبعوث الذي قدم نفسه كـ “صهر الرئيس” لم يكلف نفسه عناء إدانة استهداف المستشفيات، لكنه استعجل إدانة الحكومة لأنها قالت “لا”.

التاريخ يعيد نفسه بوقاحة. في الفاشر قبل عام، وقف الأمين العام للأمم المتحدة ليعلن هدنة من طرف واحد، فكانت النتيجة مجازر. في الكونغو قبل شهرين، وقع اتفاق “واشنطن” فانتهك بعد 96 ساعة. واليوم نعود لنفس السيناريو: بيان، وصورة، وتهديد بعقوبات… بينما الأبيض تدفع الثمن.

لكن الجديد هذه المرة أخطر. الجديد أن واشنطن لم تعد تكتفي بالرعاية، بل تريد الاحتكار. مجلس سلام ترامب، ورقة أمريكية، وشرعية مجلس أمن، كلها أدوات لعزل منبر جدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد. أي أنها تريد أن تكون هي الخصم والحكم والممول.
لماذا الآن؟ لأن طاولة إيران أُغلقت في وجهها. ولأن ذهب السودان ومعادن دارفور أصبحت عملة نادرة في حربها مع الصين. فالسودان لم يعد أزمة إنسانية في عين واشنطن، بل أصبح مشروع استثمار سياسي.

لا إجابة قاطعة بعد. لكن تتابع المشاهد منذ نوفمبر 2025 يقول شيئاً واحداً: أن واشنطن تريد أن تمسك بالقلم وتكتب الفصل الأخير بنفسها. تريد أن تكون الخصم والحكم والراوي.
هنا تكمن المفارقة السودانية المرة. فالمجتمع الدولي لا يتعب من إنتاج المبادرات، لكنه يرهق حين يُسأل عن الأثر. يجتمع 55 وزير خارجية في برلين ويتعهدون بمليار ونصف، وتعزل الخرطوم عن الحضور فلا تتم دعوتها، فتعتبر ذلك وصاية إستعمارية . ثم تعود واشنطن بعد شهور لتقدم الورقة نفسها بغلاف مختلف.
وهنا يسقط القناع. فالدولة التي ترفض أن تُدار من برلين، تُواجه اليوم بمحاولة إدارتها من البيت الأبيض مباشرة. والدولة التي قالت “لا” لمليار ونصف يورو مشروطة، يُلوّح لها اليوم بالحصار والعقوبات حتى تقول “نعم” لصفقة معادن، بينما مواطنوها يُقتلون بالمسيرات في الأبيض.

السودانيون تعلموا درس الفاشر جيداً: التحذير لا يوقف الرصاصة. والعقوبة لا تفتح طريقاً للخبز. والشرعية الدولية لا تساوي شيئاً إذا لم تقترن بإرادة سياسية على الأرض.
السؤال إذن لم يعد: هل تنجح مبادرة بولس؟
السؤال هو: هل السلام عند واشنطن يعني إسكات مدافع الجيش فقط، أم إسكات مسيرات المليشيا أيضاً؟
إذا كانت الإجابة الأولى، فعلى بولس أن يفهم أن التحذير لا يوقف مسيّرة، والعقوبة لا تحمي مستشفى، والرواية لا تُعيد الكهرباء للأبيض.
وإذا كانت الإجابة الثانية، فليبدأ من هناك: من إدانة استهداف المدنيين، لا من محاسبة من يدافع عنهم.

غير ذلك، فكل ما يحدث هو ضجيج دبلوماسي يبحث عن نصر إعلامي… فوق جثث أهل الأبيض، بل مجرد ممثل يبحث عن تصفيق في مسرح الهزائم الأمريكية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى