معركـة الكرامـة والزراعـة

د. حسن عيسى الطالب
يشتكي مزارعو الزراعة المطرية الآلية بولاية القضارف والمناطق المجاورة، من الغلاء الفاحش في سعر وقود الجازولين الضروري لتشغيل الآليات، إذ تجاوز ثمن البرميل الواحد مليوني جنيه، ويأتي هذا في ظل ارهاصات شائعة عن رفع الدولة يدها تماما عن دعم المزارعين، ويمثل ذلك بادرة ناشزة، ومخالفة فارقة. إذ ظلت الدولة السودانية تدعم القطاع الزراعي، وتشجع الانتاج، منذ أكثر من خمسين عاما. وليس بدعا، إذ تفعل ذلك كل الدول المسؤولة. ففي الاتحاد الأوربي تقرر تقديم دعم للزراعة بمبلغ 368 مليار يورو. وحتى إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي تتبنى منهج الرأسمالية المتوحشة Brute Capitalism قدمت نحو 44 مليار دولار دعما للمزارعين الأمريكيين.
لكن مزارعي السودان يحرمون بدعاوى التحرير الاقتصادي الساذجة، والمحاكاة غير المدروسة للنظريات الانقضاضية المفخخة الوافدة. وهذا جهل بمبدأ التحرير ومراميه، بل هو تفريط غير مسئول في الأمن القومي الاستراتيجي. فالذي لا يملك قوته لا يمكن أن يملك قراره السيادي ولا استقلاله السياسي. فالزراعة تمثل 60% من الدخل القومي والإيرادات للبلاد، ويعمل بها معظم أهل السودان، وتفوق نسبة من يعمل بها 60%. ويمثل الأمن الغذائي ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي، وبقاء المواطنين بمواقع سكناهم الأصلية، مع توفير عمالة بديلة لمئات الآلاف الآخرين، ممن كانوا يعملون في المصانع المدمرة في العاصمة وغيرها، ولمن وفدوا ونزحوا من أهل القرى المحتلة والمهجّرة.
ولذا فإن رفع الدولة يدها عن هذا القطاع المنتج المحوري، والرافد الأساسي للخزينة العامة، والقطاع الأكثر توظيفا للعمالة الوطنية، في مثل هذا الظرف القاهر، يعتبر ضربة قاصمة لكيان الوطن وتماسكه، وينذر بتفاقم الأوضاع الغذائية، وخاصة في العام التالي، وينذر بضياع الموسم المطري، وبتفاقم ندرة القوت الأساسي يضيع الكثير على الوطن، وتفقد الدولة الكثير من الفرص الاقتصادية والتجارية، والعمالة، وتضييع فرص تعظيم الصادرات، وتربية القطيع الحيواني، وتوسيع توظيف وتشغيل العمالة.
ويشبه هذا الوضع الأسيف الراهن، والقرار الساذج وغير المدروس، والغافل عن النتائج، حال من سافر في الصحراء وحيدا، فرأى سرابا حسبه ماء، فأفرغ كل ما معه من أوعية، فلما تبينت له حقيقة السراب ندم على فعله، ولات ساعة مندم، فهلك ولم ينفعه الندم.
ولذا فعلى متخذي القرار، وكل أهل السودان، أن يتذكروا أن من أهم أسباب مجاعة سنة ستة (1306 هجرية/ 1889م) هو تخلي المزارعين عن الزراعة، وتهجيرهم من مناطقهم، وتركهم مواقعهم الزراعية، فكان ذلك سبباً لإنهيار الدولة وفشلها، وهلاك قادتها، وذهاب ريحها.
إن من أهم أسباب فشل الميليشيا المتمردة على الجيش الدستوري، وإزدرائها بالإجماع الوطني، ونفور الجميع منها ونبذها، هو وقوف معظم أهل الوطن، وسوادهم الأعظم، وخاصة في مناطق الاستقرار والانتاج الزراعي، خلف معركة الكرامة، واسنادها بالمدد البشري، والرفد اللوجستي، وذلك في ظل التدمير المنهجي للبنيات التحتية في معظم مناطق الزراعة، في الجزيرة، وسنار، وكردفان، ودارفور، وتشريد مزارعيها، ونزوح العديد من أهلها.
لذا فإن تقاعس السلطة القائمة بحكم الأمر الواقع، عن دعم المزارعين، وتنكرها لهذا القطاع الحيوي الاستراتيجي، دون نظر للعواقب الوخيمة، يمثل سوء تقدير إداري وأخلاقي مريع، وخطل سياسي فاضح، وفشل دامغ، وعمى استراتيجي لا يغتفر. لا سيما أن الأمن الغذائي لا يقل أهمية ولا أولوية عن الأمن الدفاعي، والغذاء هو سلاح في المعركة الدائرة، والجيوش تزحف على بطونها، والجوعى لا يصبرون على قتال.
ويتعين أن يعلم الجميع أن التجويع يستخدم كسلاح في معركة الكرامة الدائرة، والحرب المفروضة على الوطن من قبل رعاة الميليشيا الدوليين، لا سيما في جيشان الحملات الإعلامية المتواترة، والترويج التخويفي بانتشار الجوع، ودعاوى التدخل الخارجي، التي أضحت تدار بوقع راتب، ووتيرة متزايدة في أوساط الوكالات والمنصات المحسوبة لبعض المنظومات الإنسانية المموّلة من هؤلاء، ومن عديد وكالات الأمم المتحدة التي يتماهى القائمون عليها مع الأطروحات المسمومة.
يحتاج السودان لانتاج ما لا يقل عن تسعة مليون طن من الفتريتة والحبوب الأخرى سنويا لتأمين الغذاء لأهله، ولتجنيبه تسوّل المنظمات الدولية، وإهراق ماء وجوه أهله أمام قصور المستأثرين، واللئام الحانقين، وطلب الرزق من المرزوقين. ولن يتسنى التسامي على ذلك إلا بدعم الدولة المستمر، وتأمين الجازولين للمزارعين.
ونظرا لأن فترة موسم الخريف محددة بمواعيد لا تنتظر، والزراعة لها روزنامة لا تتخلف، فيجب أن يتدخل رئيس مجلس السيادة وأعضاؤه في تصحيح هذا الخطأ القاتل، وإن لم يفعلوا فسوف يبوؤا بلعنة التاريخ، وذل الدهر، وعار الأبد.
يجب ألا تقع الدولة في هذا الخطأ الاستراتيجي القاتل، فتصبح كالساعية لحتفها بظلفها.. و قد أعذر من أنذر.



