رأي

نظرة على “المضايق الدولية” في ظل أزمة مضيق هرمز

 

د.إيناس محمد أحمد

تعد المضايق الدولية بمثابة ممرات بحرية استراتيجية للحركة البحرية العالمية، وتعرف بأنها ممر مائي ضيق يربط بين جزأين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة.. ويضع القانون الدولي معياراً لمساحة المضيق بأن لا يزيد اتساعه عن ضعف مساحة البحر الإقليمي للدولة أو الدول المطلة عليه، فاذا زاد اتساعه عن ذلك تطبق عليه أحكام البحر العالي ، ويحب أن يكون ممراً مائياً طبيعياً – لم يصنعه الإنسان – يفصل بين إقليمين، ويصل بحرين، و هذه هي أهم شروط المضيق كممر دولي.

وقد نظم القانون الدولي المضايق بداية عبر اتفاقية جنيف 1958م ، لكن قصة تنظيم المضايق الدولية تعود تاريخياً إلى 22 أكتوبر 1946م حينما تعرضت سفن حربية بريطانية لانفجارات ضخمة جراء ألغام بحرية أثناء مرورها في مضيق كورفو الذي يدخل ضمن (المياة الإقليمية الألبانية) ، وقد أدى الانفجار إلى خسائر فادحة في الأرواح حيث قتل ما يقارب الــ44 من البحارة البريطانيين، ، وأدى إلى أضرار جسيمة بالسفن، و نتيجة لهذة الحادثة أصدر مجلس الأمن قراره رقم 22 الصادر في 9 أبريل 1947م بـإحالة الدعوى إلى محكمة العدل الدولية ، و بناء عليه تقدمت بريطانيا بدعوى ضد ألبانيا في 22 مايو 1947م ، دون أي تفاوض مسبق معها ، واتهمتها بزرع ألغام في المضيق مما يعد انتهاكاً لحرية الملاحة وحق المرور البرئ ، هذة القضية كانت أول قضية يتم نظرها أمام محكمة العدل الدولية منذ تأسيسها ، وأصدرت أحكامها بشأنها على عدة مراحل – مثلاً- قضت في العام 1948م بأن لها الولاية القضائية للنظر في النزاع ، وفي عام 1949م حكمت المحكمة على ألبانيا بالمسؤولية القانونية عن الألغام ، مع التأكيد على أن حق المرور البرئ لا يجوز إعاقته أو منعه من قبل الدول الساحلية.
وحكمت المحكمة على ألبانيا بالتعويض المالي لصالح بريطانيا نسبة للأضرار البشرية والمادية التي حدثت لها ، وتعد هذة هي الحالة الوحيدة التي أصدرت فيها محكمة العدل الدولية حكماً بدفع أموال نقدية كتعويض للدولة المتضررة.

هذة القضية أرست مبدأ حق المرور البرئ دون إذن مسبق ، وأقرت مبدأ عدم تعرض السفن البحرية لأي مخاطر أو أضرار .
وبعد ذلك بدأ التوثيق الدولي لقانون البحار، فكانت اتفاقية جنيف 1958م للبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة التي أرست مبدأ مهم للغاية عبر مادة 16 فقرة 4 وهو مبدأ عدم جواز تعليق المرور البرئ عبر المضايق الدولية ، لكن هذة الاتفاقية ظلت محدودة النطاق.
ثم جاءت مفاوضات مؤتمر قانون البحار الثالث (1973- 1982م) ، ثم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982م والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1994م ، ثم جاء حق المرور العابر الذي يمنح حقوقاً أوسع للملاحة والتحليق عبر المضايق الدولية، ويُعرِّف المرور العابر بأنه “ممارسة حرية الملاحة والتحليق لغرض العبور المستمر والسريع للمضيق ” ويتميز عن المرور البرئ في عدة نقاط جوهرية
1/يسمح المرور العابر بحق التحليق الجوي للطائرات المدنية والعسكرية عبر المضيق ، بينما لايسمح المرور البرئ للطائرات بالتحليق فوق البحر الاقليمي.
2/يسمح المرور العابر للغواصات أن تمر بوضعها الطبيعي ولا يلزمها بالصعود لسطح البحر عند العبور بينما المرور البرئ يلزم الغواصات أثناء مرورها بالصعود لسطح البحر ورفع علمها.
3/يمنع كلا النظامين تعليق المرور، لكن سلطات الدول الساحلية تكون أوسع في حالة المرور البرئ أكثر من المرور العابر الذي يشترط فيه أيضاً أن يكون مروراً سريعاً مستمرًا دون توقف، والامتناع عن استخدام أو التهديد باستخدام القوة مما يشكل خطراً على سيادة أو سلامة أو أمن الدول الساحلية.

إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982م تضم أغلب دول العالم ومنها 18 دولة عربية ، إلا أن بعض الدول لم تنضم للاتفاقية منها الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية و اسرائيل !!
غير أنه حتى وإن كانت هذه الدول غير منضمة للاتفاقية إلا أنها ملزمة باحترام قواعد القانون الدولي العرفي التي تضمنتها الاتفاقية وأهم مبدأ بها وهو حرية الملاحة، كما أن القانون الدولي أعطى للدول الساحلية حق تحديد ممرات للملاحة وأنظمة لفصل حركة السفن.

و إذا طبقنا ما ورد سلفاً على مضيق هرمز الذي عاني من توترات الحرب الأميركية الإيرانية، فسنجده حالة خاصة أو استثنائية في تطبيق نظام المرور العابر ، لأن المضيق يبلغ عرضه 21 ميلاً بحرياً عند أضيق نقطة، و بالتالي فهو يقع ضمن البحر الإقليمي لإيران وسلطنة عمان ، ويمر عبره من 35 إلى 37% تقريباً من النفط المنقول بحراً، وبذلك يعد ممراً تجارياً عالمياً (مزدحماً) بالناقلات البترولية ، وذلك فإن أي توتر فيه يؤثر سلباً على قطاع الطاقة وقطاع الصناعة في العديد من دول العالم ، و وفقاً للمادة 44 من UNCLOS التي تنص علي “لا يجوز تعليق أو إعاقة المرور العابر” ، ولو فرضت إيران رسوماً أو وضعت قيوداً غير مبررة فإن ذلك يُعد انتهاكاً للقانون الدولي ، لكن الناظر إلى الواقع العملي يجد أن إيران كدولة ساحلية لها بموجب المادة 42 الفقرتين ( أ /ب) المتعلقة بمنع التلوث و حماية أمنها القومي أن تفرض إجراءات حماية لأمنها وسلامتها..
و لذلك يبقى التعامل وفق القانون نفسه في – بعض الأحيان _ يحتاج إلى توضيح أكثر !!

كذلك الحال في حالة مرور السفن النووية في المضايق باعتبارها ممرات ضيقة قد يدفع الدول الساحلية إلى ضرورة الإخطار المسبق لوضع تدابير احترازية لخطورة ما تحمله السفن ولحماية أراضيها ومياهها من التلوث.

لكن المشكلة أن UNCLOS لا يفرق بين أنواع السفن من حيث حمولتها في حق المرور العابر لذلك يحتاج العالم إلى آليات (تعاون دولي) لأن التأثيرات الناجمة عن التوترات هنا تمس العالم أجمع ، و في المقابل يمثل قانون البحار واحداً من أكثر القوانين مرونة خاصة في مسائل التسويات القانونية، وقد نجح في الكثير من القضايا لإيجاد التوافق المرضي بين مصالح الدول التي تستخدم الملاحة والتحليق الدولي بموجب المرور العابر، ومصالح الدول الساحلية في حماية أمنها وسيادتها ، ليبقى المبدأ العام عدم جواز تعليق المرور العابر تحت أي ظرف.

إن المراقب للتوترات والنزاعات التي تحدث بالقرب من ، أو حول المضايق الدولية، مثل الحرب الايرانية والأمريكية قرب مضيق هرمز أو التوترات عند مضيق باب المندب، و التي شكلت اختناقاً لحركة السفن في المضيق ، وكذلك سياسة الشد والجذب الدبلوماسي بين إسبانيا والمملكة المتحدة حول إدارة منطقة جبل طارق التي تشكل الممر الطبيعي الوحيد الذي يربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ويشكل نقطة سيطرة استراتيجية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وفي ذات الوقت هو ممر للطائرات العسكرية الأميركية للوصول الي الشرق الأوسط، ومضيق ملقا الذي يقع جنوب شرق آسيا ويربط بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة ويربط المحيط الهادي بالمحيط الهندي الذي يشكل شريان الاقتصاد والصناعة والطاقة لدول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، يجد أن كل هذه المضايق وغيرها بحاجة إلى ثورة في السياسة الدولية تجاهها، و التحدي الحقيقي الآن هو غياب آليات التعاون الدولي الحديثة والتدابير القانونية الدولية التي تجعل المضايق الدولية بعيدة عن استغلال وسيطرة الدول المشاطئة وأطماع الدول العظمى وعدم استخدامها ككروت ضغط اقتصادي أو عسكري لخنق اقتصاد الدول أو الطاقة أو الصناعة في دول العالم تحت أي ظرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى