المحول المالي الجديد .. تطور يفتح أبواب التقنية أم ثغرة تهدد الأمن المصرفي؟

المحقق – نازك شمام
ضجت الأسافير والأوساط الاقتصادية، خلال اليومين الماضيين، بنبأ حصول شركة خاصة على رخصة محول مالي للمعاملات المصرفية، وأثار الأمر نقاشاً واسعاً حول أحقية شركات القطاع الخاص في الحصول على هذه الرخصة، ومآلات إسناد خدمة وطنية كهذه إلى القطاع الخاص.
وكانت شركة “العسجد للحلول الرقمية” قد احتفلت، الأربعاء الماضي، بحصولها على رخصة محول المعاملات المصرفية الصادرة من بنك السودان المركزي، وذلك برعاية عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، وحضور قائد القوات البحرية الفريق بحري محجوب بشرى، وممثل بنك السودان المركزي، إلى جانب عدد من قيادات المصارف السودانية.
المحول المالي:
ويُعنى المحول المالي بالبنية التحتية الوطنية لأنظمة المدفوعات، إذ يقوم بربط البنوك والمؤسسات المالية ومقدمي خدمات الدفع عبر منصة تقنية موحدة، بما يتيح تنفيذ التحويلات والمدفوعات والتسويات المالية بصورة آمنة وسريعة، وفق الضوابط والمعايير التي يضعها ويشرف عليها بنك السودان المركزي. ويتمثل دوره الأساسي في تمكين التكامل بين المؤسسات المالية ورفع كفاءة منظومة المدفوعات الوطنية.
ودارت التساؤلات حول كيفية حصول شركة من القطاع الخاص، حديثة التكوين، على رخصة تتيح لها الاطلاع على المعاملات المصرفية البينية (بين البنوك)، وهو الأمر الذي رأى فيه البعض تهديداً للأمن المصرفي، وسط تأكيدات بضرورة أن يظل هذا النظام حكراً على الشركات الحكومية، والمتمثلة في شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (BM{EBS})، بالإضافة إلى تساؤلات حول المعايير الفنية التي يتم بناءً عليها اختيار شركات القطاع الخاص المؤهلة للحصول على هذه الرخصة.
ليس امتيازاً خاصاً:
ورداً على هذه النقاشات، قالت شركة “العسجد” في بيان توضيحي أصدرته إدارة الإعلام والعلاقات العامة، إن الرخصة الممنوحة لها ليست حكراً عليها، وقالت إن رخصة مشغل المحول المالي ليست امتيازاً خاصاً ولا حقاً حصرياً لأي شركة، وإنما هي ترخيص تنظيمي يمنحه بنك السودان المركزي لكل شركة تستوفي المتطلبات الفنية، والمالية، والأمنية، والرقابية المقررة.
وبحسب البيان، فإن شركة “العسجد” هي أول شركة خاصة تستوفي هذه الاشتراطات وتحصل على الترخيص، مؤكدة أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام جميع الشركات المؤهلة وفق المعايير نفسها.
رد العسجد:
من جانبها، كشفت المدير العام لشركة العسجد للحلول الرقمية، د. عسجد الكاظم، عن وجود عدد من الشركات الحاصلة بالفعل على رخصة المحول المالي.
وقالت الكاظم في حديثها لــ”المحقق” إن الشركات المالية المرخصة من قِبل بنك السودان تنقسم إلى فئتين؛ الأولى: مؤسسات مالية للدفع عبر الموبايل وتضم ثماني شركات، والثانية: مشغلو محولات المعاملات المالية وتضم ثلاث شركات.
موافقة كتابية:
في المقابل، أكد بنك السودان المركزي أن منح الترخيص لأي جهة لا يترتب عليه حق تلقائي في تقديم خدماتها للمصارف، إذ تخضع جميع علاقات الربط، والتكامل التقني، وتشغيل الخدمات لموافقة كتابية مسبقة من بنك السودان، وفقاً للضوابط الرقابية المعتمدة، بما يضمن سلامة واستقرار النظام المصرفي.
وأعلن البنك المركزي، في بيان على صفحته الرسمية بـ”الفيسبوك”، إصدار ضوابط تنظيمية تُلزم جميع المصارف والجهات المرخص لها من شركات التقنية المالية، بما في ذلك مشغلو محولات المعاملات المالية، بعدم الشروع في أي علاقة تعاقدية، أو تشغيلية، أو فنية، أو تنفيذ أي عمليات ربط أو تبادل للبيانات قبل الحصول على موافقة البنك المركزي المسبقة.
وأضاف البيان، الذي صدر (الجمعة) أن جميع الجهات المرخص لها تخضع لمعايير رقابية وفنية صارمة تشمل: الحوكمة المؤسسية، الملاءة المالية، إدارة المخاطر، استمرارية الأعمال، الأمن السيبراني، وحماية البيانات، إلى جانب الرقابة والإشراف المستمرين طوال فترة الترخيص.
وشدد بنك السودان المركزي على أنه يولي حماية بيانات العملاء وسرية المعلومات المالية أولوية قصوى، حيث تلتزم جميع الجهات العاملة في منظومة المدفوعات بتطبيق أعلى معايير التشفير، وحوكمة البيانات، وضبط صلاحيات الوصول، وعدم استخدام المعلومات إلا في الحدود التي تجيزها القوانين واللوائح المنظمة.
اتجاه غريب:
وبدوره، احتج الخبير المصرفي، وليد دليل، على ما أسماه بـ”الاتجاه الغريب” الذي يسعى لتسويق ما يسمى بالمحولات الرقمية الوسيطة المملوكة لأفراد، بهدف تخفيف العبء عن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية {EBS}).
واعتبر دليل، في حديثه لــ”المحقق”، أن هذه الخطوة بمثابة محاولة لغسل يد الدولة من واجباتها الأصيلة، ما يتطلب وقفة فنية وقانونية صارمة.
وأوضح أن قضية المحولات الوسيطة تحمل جانبين؛ فنياً وأمنياً، يرتبطان مباشرة بالأمن القومي، والشفافية، والحوكمة، وآلية اختيار العطاءات.
وشدد دليل على أهمية تبعية هذه الشركات لشركات الاتصالات الكبرى أو لشركات تتبع مباشرة لبنك السودان المركزي، باعتباره الجهة التنظيمية والرقابية العليا.
وقال: “إن السوق السوداني لا يحتاج إلى محولات تقنية إضافية تزيد المشهد تعقيداً وضبابية، بل يحتاج إلى بيئة تشريعية محفزة لشركات التكنولوجيا الوطنية، لبناء تطبيقات ومنتجات حقيقية تسهم في جذب وتوطين الكتلة النقدية”.
ويُعد قرار بنك السودان المركزي بفتح الباب أمام القطاع الخاص تحولا في سياسة إدارة البنية التحتية للمدفوعات. فبين تأكيدات شركة “العسجد” بأن الترخيص متاح لكل من يستوفي الشروط، وتشديد البنك المركزي على رقابة صارمة وموافقة مسبقة قبل أي ربط، تظل المخاوف قائمة بشأن أمن البيانات والحوكمة.



