حين تصبح المياه قضية دولة: قراءة سودانية في ضوء التجربة المؤسسية المصرية للأمن المائي وصناعة القرار

د. عمار أبكر عبد الله
في 30 يونيو 2026، نُشرت في مصر ورقة السياسات رقم (72) ضمن سلسلة IDSC Policy Perspective بعنوان: «الوضع المائي في مصر وتحديات تغير المناخ وجهود تعزيز الأمن المائي والاستدامة». أعدّ الورقة قطاع شؤون مياه النيل بوزارة الموارد المائية والري المصرية، بالتنسيق مع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء (IDSC)، في إطار يستهدف دعم صناعة القرار وتعزيز الاعتماد على الرؤى والسياسات المستندة إلى أسس علمية. وتستعرض الورقة الوضع المائي في مصر، والتحديات المرتبطة بتغير المناخ والموارد المائية العابرة للحدود، إلى جانب الجهود الوطنية والمشروعات الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الأمن المائي وتحقيق استدامة الموارد المائية، بما يدعم التنمية المستدامة ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
غير أن أهمية هذه الورقة، من وجهة نظري، لا تكمن فقط في محتواها الفني، بل ربما تكمن أيضًا في الطريقة المؤسسية التي أُنتجت بها. فنحن أمام قطاع فني متخصص في شؤون مياه النيل داخل وزارة سيادية مسؤولة عن الموارد المائية والري، ينتج معرفة تحليلية حول الوضع المائي، وتغير المناخ، والموارد العابرة للحدود، والأمن المائي والاستدامة، ثم ترتبط هذه المعرفة بمؤسسة تقع في قلب منظومة دعم القرار الحكومي، (مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء) … وهنا تتجاوز المسألة حدود ورقة بحثية أو تقرير فني، لتطرح سؤالًا أكبر: كيف تتحول الخبرة الفنية داخل أجهزة الدولة إلى معرفة مؤسسية، ثم إلى ورقة سياسات، ثم إلى أحد مدخلات صناعة القرار؟
التقرير المصري وما وراءه:
المقارنة هنا ليست بين عدد الخبراء في مصر وعدد الخبراء في السودان، وليست مفاضلة سياسية بين دولتين شقيقتين يجمعهما النيل والتاريخ والمصالح والتحديات المشتركة. كما أنها ليست دعوة إلى نسخ التجربة المصرية حرفيًا؛ فلكل دولة سياقها المؤسسي والقانوني والجغرافي والسياسي. لكن ورقة السياسات المصرية تقدم فرصة مهمة للتأمل في سؤال مؤسسي بالغ الأهمية: ما البنية التي تحتضن الخبرة، وتحفظها، وتراكمها، وتربطها بصناعة القرار؟ … ففي مصر، حافظ القطاع المائي على هوية وزارية واضحة نسبيًا تحت مسمى وزارة الموارد المائية والري. كما تطورت حوله بنية بحثية متخصصة، في مقدمتها المركز القومي لبحوث المياه، الذي تضم منظومته، وفق المعلومات العامة المتاحة ومع أهمية الرجوع إلى أحدث هيكل رسمي عند التوثيق النهائي، نحو اثني عشر معهدًا بحثيًا متخصصًا تغطي طيفًا واسعًا من قضايا المياه. وهنا لا تكمن القيمة في الرقم وحده؛ فالمقارنة العددية المجردة بين المعاهد والمراكز قد تكون مضللة إذا اختلفت الهياكل القانونية والتنظيمية. لكن القيمة الحقيقية تكمن في فلسفة البناء المؤسسي: التخصص، والاستمرارية، وتراكم المعرفة، والربط بين البحث العلمي والتخطيط والتنفيذ ودعم القرار. وورقة السياسات رقم (72) تقدم مثالًا عمليًا على هذا الترابط.
السودان: أكثر من قرن من التاريخ المؤسسي ..
عند الانتقال إلى السودان، يجب ألا تكون نقطة البداية افتراض غياب المؤسسات أو الخبرات. فالسودان يمتلك تاريخًا عريقًا في إدارة الري والموارد المائية … كما يمتلك رصيدًا كبيرًا من الكفاءات في الهندسة، والهيدرولوجيا، والمياه الجوفية، والسدود، وإدارة الفيضانات والجفاف، والقانون الدولي للمياه، والتفاوض، والتعاون العابر للحدود، والدبلوماسية المائية. ووفق المسار التاريخي الذي توثقه كتابة بروفيسور ياسر عباس، يمكن تتبع تطور المؤسسة المائية في السودان عبر مراحل متعاقبة، بدأت بمصلحة الري، ثم انتقلت إلى وزارة الري، ومنها إلى وزارة الري والموارد المائية … قبل أن يشهد القطاع لاحقًا سلسلة من التغييرات في الاسم والتبعية والاختصاصات والهياكل التنظيمية.
وفي ضوء النقاشات الراهنة حول الهيكل التنظيمي المقترح لوزارة الزراعة والري … يتجدد سؤال مؤسسي بالغ الأهمية بشأن الموقع الأنسب للموارد المائية داخل بنية الدولة، وطبيعة العلاقة بين إدارة المورد المائي من جهة، والقطاعات الرئيسية المستخدمة له من جهة أخرى، وفي مقدمتها القطاع الزراعي.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مسألة إدارية أو بتسمية وزارية، بقدر ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول استقرار مؤسسات المياه، ووضوح الاختصاصات، والتوازن بين إدارة المورد وتنظيم استخداماته، بما يضمن حماية المصالح القومية وتعزيز كفاءة الحوكمة المائية. وعند النظر إلى هذا المسار الممتد لأكثر من قرن، تبدو الحاجة إلى التأمل المؤسسي الهادئ والعميق أمرًا جديرًا بالاهتمام. فالسؤال ليس: هل للسودان تاريخ مؤسسي في المياه؟ الإجابة واضحة: نعم. لكن السؤال الأصعب هو: إلى أي مدى نجحنا في حماية هذا التراكم المؤسسي من آثار التغيير المتكرر في الهياكل والأسماء والتبعيات والاختصاصات؟
المياه ليست هي الري:
هذه النقطة تقع في قلب النقاش الحالي. فالري يمثل أحد أهم استخدامات المياه، خصوصًا في بلد ترتبط فيه الزراعة بالأمن الغذائي والتنمية والاقتصاد وسبل العيش. لكن الموارد المائية أوسع من الري. فالمياه ترتبط بمياه الشرب، والصناعة، والطاقة الكهرومائية، والبيئة، والتعدين، والملاحة والنقل النهري، والصحة العامة، والمدن، والتكيف مع تغير المناخ، وإدارة الفيضانات والجفاف، والأمن الغذائي، والأمن القومي، والعلاقات الخارجية، والتعاون حول الموارد المشتركة. ومن هنا، فإن الجهة المسؤولة عن الموارد المائية لا تؤدي فقط وظيفة تشغيلية لإيصال المياه إلى الزراعة، بل تضطلع … أو ينبغي أن تضطلع …. بوظائف التخطيط، والتنظيم، والتخصيص، والحماية، والرصد، والتنبؤ، وإدارة المخاطر، وإنتاج البيانات، والتفاوض، والتنسيق بين مختلف المستخدمين. ولهذا يبرز سؤال مؤسسي مشروع:
هل من الأفضل أن تكون الجهة المنظمة والمخططة والمخصصة للمورد المائي جزءًا من وزارة تضم أحد أكبر مستخدمي هذا المورد، أم أن طبيعة المياه كمورد سيادي ومتعدد الاستخدامات تتطلب إطارًا مؤسسيًا أكثر استقلالًا وتوازنًا بين القطاعات؟
هذا السؤال لا ينتقص من أهمية الزراعة … بل على العكس، فإن الزراعة نفسها تحتاج إلى إدارة مائية قوية ومستقرة وعلمية، قادرة على التخطيط بعيد المدى، والتعامل مع تغير المناخ، والتذبذب الهيدرولوجي، والمنافسة المتزايدة بين الاستخدامات.
كتابات سودانية متعددة… وقلق مؤسسي متقارب:
هذا السؤال لا يأتي من فراغ، ولا يمثل رأيًا فرديًا معزولًا. ففي أعمال بروفيسور سيف الدين حمد، وزير الموارد المائية الأسبق، نجد معالجة واسعة لقضايا الأمن المائي السوداني وحوض النيل، تجمع بين الأبعاد الهندسية والقانونية والاستراتيجية والجيوبوليتيكية والأمنية والدبلوماسية. كما تلفت هذه الكتابات إلى تعقيد وضع السودان المائي بحكم ارتباط موارده بدول الجوار عبر النيل، والمياه الجوفية المشتركة، والأودية غير النيلية، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى إدارة متخصصة عالية الكفاءة ومبنية على أسس علمية ومؤسسية.
وفي ورقة بروفيسور ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية الأسبق، نجد قراءة مباشرة للمسار التاريخي والمؤسسي لقطاع الري والموارد المائية، مع تأكيد أن إدارة الموارد المائية عملية فنية مترابطة، وأن المياه مورد سيادي، وأن الأمن المائي مكون أصيل من الأمن القومي، وأن الاستقرار المؤسسي ضرورة للحفاظ على الكادر الفني والهندسي والخبرة المتراكمة.
وفي كتابة د. أحمد محمد آدم سعد، وكيل الوزارة الأسبق، نجد توثيقًا للدور التاريخي لمؤسسة الري في التنمية الوطنية، وارتباطها بمشروعات كبرى مثل مشروع الجزيرة، وحلفا الجديدة، والرهد، والسوكي، ومشروعات السكر والطاقة، ودعم الولايات. كما يبرز في طرحه فهم الجهة المسؤولة عن المياه باعتبارها جهة تنظيمية لمختلف الاستخدامات … ومن ثم يثور السؤال حول ملاءمة تبعيتها لقطاع يمثل مستخدمًا رئيسيًا للمياه. ثم تأتي الملاحظات الفنية التي قدمها د. خالد النور بشأن الهيكل التنظيمي المقترح لوزارة الزراعة والري، لتضيف بعدًا عمليًا ومعاصرًا للنقاش. فقد أثار، من بين ما أثار، قضايا تتعلق بالتسلسل الهرمي التنظيمي، وموقع الوحدات والمؤسسات الفنية، وخطر اختزال مفهوم الموارد المائية في نشاط الري، وتجاهل الاسم المؤسسي للوزارة، ودمج الإدارة العامة للمشروعات داخل الإدارة العامة لعمليات الري. وهذه الأخيرة تحديدًا ليست مسألة شكلية؛ فوظائف الدراسات والتصميم والمساحة والإشراف على التنفيذ وتطوير المشروعات تختلف في طبيعتها عن وظائف التشغيل والصيانة وإدارة توزيع المياه. والخلط بينهما يطرح أسئلة حول استقلال الوظيفة الهندسية، والفصل بين تطوير البنية التحتية وتشغيلها، والحفاظ على بيوت الخبرة الفنية داخل الوزارة. وعلى الرغم من اختلاف زوايا هذه الكتابات والمذكرات، فإنها تلتقي … بدرجات وصياغات مختلفة … حول سؤال واحد:
كيف نحمي مؤسسة المياه في السودان من فقدان هويتها وذاكرتها ووظيفتها القومية؟
السودان ليس بلا مؤسسات بحثية:
من المهم هنا تجنب التبسيط. فالسودان ليس بلا مؤسسات بحثية، وليس بلا خبرات، وليس بلا تاريخ في إنتاج المعرفة المائية. لقد عرف الهيكل السوداني مؤسسات ووحدات فنية مهمة … من بينها المركز القومي لبحوث المياه، ومركز البحوث الهيدروليكية، ومركز بحوث حصاد المياه، والجهاز الفني للموارد المائية، إلى جانب مؤسسات ووحدات أخرى ذات طبيعة بحثية وفنية وتنفيذية. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط عن وجود الاسم في الهيكل التنظيمي، بل عن القدرة المؤسسية الفعلية: ما حجم هذه المؤسسات؟ ما درجة استقرارها؟ كيف تُمَوَّل؟ كم عدد الباحثين المتفرغين فيها؟ كيف تحفظ بياناتها؟ ما قدرتها على استقطاب الأجيال الجديدة؟ كم تنتج من أوراق سياسات دورية؟ وما مدى ارتباط مخرجاتها مباشرة بصناعة القرار؟ …. وهنا تصبح المقارنة مع التجربة المصرية أكثر فائدة. فليس المهم أن نقول إن دولة لديها نحو اثني عشر معهدًا بحثيًا ودولة أخرى لديها عدد أقل من المراكز. المقارنة العددية وحدها لا تكفي. لكن من المشروع مهنيًا أن نسأل: لماذا استطاعت بعض الدول أن تبني منظومة بحثية مائية واسعة ومستقرة نسبيًا، بينما ظلت مؤسساتنا عرضة لإعادة الهيكلة والدمج وتغيير التبعية والاختصاصات؟ … المشكلة ليست نقص العقول. وهذه، في تقديري، هي المفارقة السودانية الكبرى … لدينا خبراء. لدينا أساتذة جامعات. لدينا مهندسون وهيدرولوجيون وجيولوجيون وقانونيون ودبلوماسيون ومتخصصون في المياه العابرة للحدود. ولدينا خبرات تراكمت داخل مؤسسات الدولة، وفي الجامعات، وفي حوض النيل، وفي المؤسسات الإقليمية والدولية. لكن السؤال هو: هل لدينا الآليات المؤسسية الكافية لتحويل هذه الخبرات الفردية إلى ذاكرة دولة؟ ماذا يحدث عندما يتقاعد خبير أمضى ثلاثين عامًا في ملف معين؟أين تذهب معرفته؟ ماذا يحدث عندما يغادر وكيل أو مدير أو مهندس؟ هل تنتقل الملفات والمعرفة والمنهجية إلى الجيل التالي؟ هل لدينا أرشيف فني قومي متكامل؟ هل لدينا قواعد بيانات مؤمنة ومتاحة وفق نظم واضحة؟ هل لدينا برامج منتظمة لنقل المعرفة بين الأجيال؟ هل تنتج مؤسساتنا أوراق سياسات بصورة دورية؟ وهل يوجد مسار مؤسسي واضح ينقل المعرفة من محطة القياس والمختبر ومركز البحوث والإدارة الفنية إلى طاولة متخذ القرار؟ … هذه الأسئلة هي جوهر دولة المؤسسات.
من ورقة سياسات مصرية إلى سؤال سوداني أكبر:
لهذا، فإن ورقة السياسات المصرية رقم (72) تستحق أن تُقرأ في السودان بما يتجاوز موضوعها المباشر. نعم، من المهم قراءة ما تقوله عن الوضع المائي، وتغير المناخ، والموارد العابرة للحدود، والمشروعات الاستراتيجية، والأمن المائي والاستدامة. لكن من المهم أيضًا أن نسأل: كيف أُنتجت هذه الورقة؟ قطاع فني متخصص. وزارة ذات اختصاص واضح. تنسيق مع مركز لدعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء. سلسلة سياسات دورية. رقم إصدار واضح: 72. ومحتوى موجه إلى فضاء السياسات وصناعة القرار.
هذه السلسلة المؤسسية هي التي تستحق التأمل:
وفي المقابل، عندما نضع أمامنا كتابات بروفيسور سيف الدين حمد، وبروفيسور ياسر عباس، ود. أحمد محمد آدم سعد، ود. خالد النور، نجد أن السودان يمتلك معرفة قومية عميقة، وتحليلات مهمة، وخبرة تاريخية كبيرة.
إذن، المشكلة ليست في غياب الفكر. السؤال هو: كيف تتحول هذه المعرفة إلى عملية مؤسسية دائمة داخل الدولة؟
إعادة إعمار السودان تبدأ أيضًا من الذاكرة المؤسسية
والسودان …. وهو يواجه تحديات الحرب وإعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة، ينبغي ألا يقتصر مفهوم إعادة البناء فيه على المنشآت المادية. فإعادة إعمار قطاع المياه لا تعني فقط إصلاح سد، أو تطهير قناة، أو إعادة تشغيل محطة، أو بناء مكتب حكومي. إنها تعني أيضًا حماية الأرشيف الفني القومي، وتأمين قواعد البيانات الهيدرولوجية، واستعادة شبكات الرصد والقياس، وتقوية مراكز البحوث، وإنشاء وحدات دائمة للسياسات، وربط الجامعات ومراكز البحث بالوزارة، وبناء برامج لإعداد الأجيال الجديدة، وحفظ المعرفة المتراكمة لدى الخبراء قبل تقاعدهم أو هجرتهم. كما تعني إعادة التفكير في موقع الموارد المائية داخل بنية الدولة، ليس من منظور إداري قصير الأجل …. وإنما من منظور الأمن القومي والتنمية طويلة المدى. فالسودان دولة ترتبط مائيًا بجوار واسع ومعقد. موارده تتقاطع مع النيل وروافده، والمياه الجوفية المشتركة، والأودية العابرة للحدود، والفيضانات والجفاف، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، والطاقة، والبيئة، والعلاقات الإقليمية. وهذه التعقيدات لا يمكن إدارتها بمنطق قطاع مستخدم واحد للمياه، مهما بلغت أهميته.
الخلاصة:
من مصلحة الري، إلى وزارة الري، ثم وزارة الري والموارد المائية، مرورًا بما شهدته العقود اللاحقة من تحولات متكررة في المسميات والتبعيات والهياكل، وصولًا إلى النقاشات الراهنة حول إعادة التنظيم المؤسسي؛ لا يروي تاريخ مؤسسة المياه في السودان قصة نقص في الخبراء أو غياب في الكفاءات … بقدر ما يطرح سؤالًا أعمق حول قدرة الدولة على تحويل الخبرة الفردية المتراكمة إلى مؤسسات مستقرة، تحفظ الذاكرة المؤسسية، وتصون المعرفة القومية، وتضمن استمرارية السياسات بعيدًا عن تقلبات الهياكل وتبدل المواقع. فالسودان لم يكن يومًا فقيرًا في العقول والخبرات، وإنما يظل التحدي الحقيقي في بناء مؤسسات قادرة على الاحتفاظ بهذه الخبرات، وتنظيمها، وتوريثها للأجيال، وتحويلها من رصيد يرتبط بالأشخاص إلى قوة قومية مستدامة. وهنا تكمن الخلاصة الأهم: الدول لا تُبنى بكفاءة الأفراد وحدها، مهما عظمت، بل بمؤسسات تجعل من خبرة الأفراد ذاكرةً للدولة، ومن المعرفة المتراكمة سياسةً عامة، ومن الاستمرارية أساسًا لحماية الموارد وصناعة المستقبل.
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من ورقة السياسات المصرية رقم (72) ليس أن مصر تمتلك خبراء والسودان لا يمتلكهم؛ فالسودان غني بخبراته وكفاءاته وتاريخه المؤسسي. الدرس الأعمق هو أن الخبرة الفردية، مهما بلغت، تحتاج إلى مؤسسة تحفظها، وتمولها، وتنظمها، وتراجعها، وتنقلها إلى الجيل التالي، وتحولها إلى سياسة عامة مستدامة. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السودان القادم: فالدولة التي تعتمد على الأشخاص تبدأ من جديد كلما غادر شخص، أما دولة المؤسسات فتبدأ دائمًا من حيث انتهى الجيل السابق.



