رأي
في الذكرى الأولى لرحيله.. أزرق طويل الباع

السفير أنس الطيب الجيلاني
كتب الشيخ دفع الله ود فريجون رائعته في رثاء العارف بالله أزرق طيبة قصيدة باذخة
غرار العبوس دار الكمال ونقاص
دوبة حليل أبوي اللي العلوم دراس
تبكيك الجوامع الأنبنت ضانقيل
لقراية العلم وكلمة التهليل
بتصادم المغارة خيولاً بجن بالليل
ياود ليل البحور يا الجدك المانجيل
دوبه حليل أبوي اللي العلوم دارس
في يوم الخميس جانا الخبر وأنشاع
في الأربع قِبل أزرق طويل الباع
تبكيك الخلوق بأغذر الدماع.
إحتشدت هذه الموشحة التي تغني بها الفنان الراحل ود اللمين بجمال الكلمة والمشاعر المعطونة بأدب المناحة والفخر والعز والرثاء في الغناء والأدب السوداني. وطويل الباع تشبيه في الموروث الشعبي يضرب لطول السيف والمهابة.
أما أزرقنا هذا فهو كذلك سليل مجد وأسرة ممتدة في “قضروف ود سعد” من بيت دين وعلم ومتصوفة مشهود لها بالكرم والزهد والشرف.
تعود علاقتي بالسفير الأزرق في بداية التسعينات حيث إلتقت دروبنا في العمل الطوعي والإنساني في رحاب الوكالة الإسلامية للإغاثة وكنت وقتها مديراً لمكتب الدكتور عبد الله سليمان العوض المدير العام للوكالة خلفاً لصديقي الراحل السفير محمد حسين زروق، شآبيب الرحمة تتنزل على قبره، وكانت تلك أول وظيفة أتولاها بعد تخرجي من الجامعة ثم بعد إنضمامي للخارجية بعد إجتياز إمتحانات لجنة الإختيار للخدمة العامة لوظائف السكرتيرين الثوالت في العام 1991م، كان اللقاء الثاني لي مع الأخ الأزرق في رحاب حوش الخارجية وأنا أتسلق أولى عتبات السلك الدبلوماسي ثم نقلت للعمل بسفارتنا بمقديشو وقد شاءت الأقدار أن أكون قائماً بالأعمال في فترة عصيبة من تاريخ الصومال السياسي عقب سقوط نظام سياد بري في العام 1991م، فقد تم نقل السفير محمود فضل وقتها لسفارتنا بالرياض، وعند إشتداد الصراع بين فرقاء الأزمة الصومالية محمد فرح عيديد وعلي مهدي، سافرت لشهود مؤتمر المصالحة الصومالية بنيروبي وكان بها أخوة كرام من الدبلوماسيين إلتقيت مجدداً بعبد الله الأزرق بالعاصمة الكينية وقتها كان مستشاراً والأخ السفير محمد الحسن إبراهيم وكان وقتها سكرتيراً أول وفي الملحقية العسكرية الفريق محجوب شرفي وكان وقتها (عميدا) والأخ الصديق عبد الدافع الخطيب مندوب سونا بنيروبي وكان السفير وقتها المرحوم الراحل دكتور عبد اللطيف عبد الحميد.
دعاني الأزرق لبيته لألتقي للمرة الأولى بأسرته الكريمة الأخت العزيزة مها فريجون الأذاعية والإعلامية اللامعة، وأم أحمد ونهى وأسراء ووالدة زميلتي في السلك الدبلوماسي عزة ومن عادة الأزرق أن يحتفي بكل زائر والأزرق وأسرته الصغيرة والكبيرة أهل كرم وشجاعة طويلة النجاد رفيعة العماد كثيرة الرماد، وكثرة الرماد عند العرب كناية عن النار التي لاتنطفئ وكانت يسترشد بها عند وفادة الضيوف.
كان فقيدنا كما يعرفه الكثيرون قارئ نهم موسوعي الثقافة وكاتب وشاعر نحرير يتمتع بنظرة ثاقبة ومشعة تدل على إتقاد الذكاء والجسارة، وقد عرفناه شجاعاً وسط زملائه وكان من يتصدر المشهد حينما يدلهم الأمر ويتطلب الموقف الإفصاح والإبانة أمام قيادة الوزارة مما كلفه كثير من المواقف والمتاعب المهنية.
كنا نتحلق في مكتب عبد الله في رئاسة الوزارة، وكثيراً ما نتناول وجبة الإفطار معه وبعض الزملاء والأصدقاء، والأزرق يبذل لنا حلو الحديث والقفشات والنكات يزينها بضحكته المميزة ونظراته البراقة فقد كان حاضر البديهة كثير المداعبة لزملائه وخاصته.
كان الأزرق شفيفاً رغم قوة المراس وشدة البأس إلا أن دمعته قريبة، وكان شديد الإحساس بضعاف الناس والزملاء من فئة العمال من حوله يحن عليهم وهو صاحب فكرة صندوق التكافل الإجتماعي بين الزملاء بوزارة الخارجية، هذا الصندوق الإجتماعي الذي مازال سارياً ويستفيد منه كل الفئات ومن حر مال مساهمات الدبلوماسيين، نسأل الله أن يجعل ثواب هذا الصندوق الذي أسس على تقوى للتكافل والتراحم بين الزملاء في ميزان حسناته وهو في مرقده السرمدي.
لكل منا حكاية وقصة مع المرحوم عبد الله الأزرق يصعب تناولها في مساحة ضيقة، كان آخر عهدي به في زيارة إجتماعية بتركيا لعيادته بعد وعكة صحية ووجدت الأوراق مبعثرة على المنضدة وكان يكتب حينها مؤلفة (داعش …. إدارة التوحش)، كما نقرأ للأزرق جهراً في الصحف وسراً بمقالات ماتعة بإسمه المستعار (ياسر أبشر – فرجينيا).
كان الأزرق زواقاً وشاعراً فحلاً يحب الأدب والقريض، وتحضرني بعض أبيات من الشعر الذي أحبه لمرثية دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله :
تنادوا … فقالوا أردت الخيل فارساً
فقلت أعبد الله ذلكم الردي..
وإن يكن عبد الله خلى مكانه
فما كان وقافاً ولا طائش اليد.
عمل الأزرق خلال مسيرته الدبلوماسية الحافلة بسفارة السودان بنيروبي والرياض وبلغاريا وواشنطن ثم سفيراً للسودان بلندن ، وتقلد منصب وكيل الخارجية ، ثم سفيرا للسودان بدبلن ،وقد ترك في كل محطة عمل بها سيرة عطرة وسمعة طيبة ومحبة لاتنقطع مع جاليات السودان بكل ألوان طيفها السياسي.
وأختم بمرثية ود البنا في رثاء شيخ العرب حسان ود أب سن:
وداً في الضمير ساكن مقيم مو مبارح
خوة وعشرة من زمن الشباب السارح
بتذكر حديثي معاك تقول البارح
وعيني بذرفن دمع الفراق الجارح
اللهم نور مرقد الأزرق وعطر مشهده وطيب مضجعه وآنس وحشته وأملأ قبره بالرضا والنور ورداء المغفرة وحلل الرضوان ووابل الرحمات ….. آمين



