رأي

الجمارك بين الإيراد والتضخم .. قراءة فنية في رفع الدولار الجمركي وانعكاساته على الاقتصاد السوداني

دكتور محمد عوض محمد متولي **

عندما ترفع الدولة سعر “الدولار الجمركي” من 3517 جنيه إلى 3743 جنيه بنسبة 6.4% خلال أقل من شهر، فإنها لا ترفع رقماً في نظام محاسبي. هي ترفع تكلفة كل شيء يدخل السودان. من كيس الدقيق إلى إبرة الدواء. من الوقود إلى مدخلات المصانع. فالقرار الذي طبقته هيئة الجمارك السودانية يوم أمس الأربعاء يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث واصل الدولار في السوق الموازية ارتفاعه إلى 5400 جنيه لأول مرة، وتتصاعد المخاوف من انعكاس مباشر على أسعار السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج باعتبار أن الدولار الجمركي يعد أحد المحددات الرئيسية لتكلفة الواردات.

التحليل الفني يكشف أن الزيادة بنسبة 6.4% تعني أن المستورد سيدفع 226 جنيهاً إضافية عن كل دولار جمركي واحد.. إذا استورد تاجر بضاعة قيمتها 100 ألف دولار، فإن عبء الجمارك ارتفع عليه مباشرة بمقدار 22.6 مليون جنيه خلال أقل من 30 يوماً. هذا الرقم لا يمتصه المستورد بل يتم ترحيله بالكامل للمستهلك النهائي عبر سلسلة الإمداد، وهو ما يفسر وصف الغرفة القومية للمستوردين للزيادات المتتالية بأنها “كارثية” ومحذرة من تفاقم الضغوط المعيشية وتدهور قيمة الجنيه السوداني.

الأرقام الرسمية تفضح فشل السياسة الجمركية. تم تحريك سعر الدولار الجمركي 10 مرات خلال 16 شهر فقط، من يناير 2025 إلى مايو 2026م، بزيادة تراكمية 66.3% . القفزة كانت كالتالي: 2827.6 → 3222.8 → 3395 → 3517 → 3743 جنيه.
ومنذ تحريره في يونيو 2021م ارتفع بأكثر من 11,214%. هذا ليس “تعديلاً” بل هو اعتراف رسمي بتراجع قيمة الجنيه وهزيمة السياسات النقدية.

الكارثة أن هذه الزيادات تمت في وقت زادت فيه الواردات وتراجعت والصادرات، واتسع عجز الميزان التجاري؛ باختصار: الحكومة ترفع الجمارك لتعويض فشلها في الإنتاج، وتطلب من المواطن أن يدفع ثمن هذا الفشل من جيبه. هذه ليست سياسة مالية، هذه “ضريبة يأس”.

التجربة الدولية تؤكد أن استخدام الدولار الجمركي كأداة جباية له نهاية. مصر رفعت الدولار الجمركي 3 مرات فقط خلال 2022م ثم ثبتته، لأن الاستمرار قاد لتضخم 35%. تركيا لجأت للتثبيت وإعفاءات السلع الاستراتيجية بعد أن وجدت أن كل زيادة 10% في الجمارك ترفع التضخم 1.8% خلال 60 يوماً. الفرق أن الدولتين ربطتا الجمارك بخطة إنتاج، وهو ما لم يحدث بعد في السودان.

الأثر الاقتصادي لهذا الإجراء يتوزع على ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول سلعي مباشر. فقد شهدت الأسواق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار عقب الزيادات المتتالية للدولار الجمركي من 3222.8 إلى 3743 جنيه، وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع المستوردة خصوصاً السلع الأساسية مثل السكر والطحين والزيوت والأرز. المستوى الثاني هو تكلفة النقل. شهدت أسعار الوقود زيادات ملحوظة يُتوقع أن تُحدث تأثيرات إضافية على أسعار مختلف السلع والخدمات لا سيما في ظل الاعتماد الكبير على النقل في سلاسل الإمداد. المستوى الثالث سلوكي. قال الخبير الاقتصادي د. محمد الناير إن سلوك القطاع الخاص الذي درج على تحميل كل زيادات التكلفة للمستهلك النهائي ضاعف من وقع القرار على أسعار السلع، حيث ارتفعت أسعار بعض المنتجات بأربعة إلى خمسة أضعاف.

المستقبل أمام السودان حتى نهاية 2026م يحتمل ثلاثة مسارات. المسار الأول هو مسار الإيراد قصير الأجل والتضخم طويل الأجل. يتحقق إذا استمرت الحكومة في رفع الدولار الجمركي لمواكبة السوق الموازي .. الأثر المقاس هو ارتفاع التضخم الشهري بمعدل إضافي يتراوح بين 2.5% إلى 3.5%، وتراجع القوة الشرائية للأسر بنسبة لا تقل عن 10% خلال 6 أشهر، في وقت تنفق فيه غالبية الأسر أكثر من 60% من دخلها على الغذاء. الإيراد الحكومي قد يرتفع وقتياً لكن قاعدته الضريبية ستتآكل مع انكماش الاستهلاك.

المسار الثاني هو مسار التهريب والاقتصاد الموازي. يتحقق مع اتساع الفجوة بين الدولار الجمركي والدولار الموازي عند فالفجوة بينهما الآن بنسبة 44.2%. الأثر المقاس هو هجرة 25% إلى 30% من الواردات إلى قنوات التهريب والمعابر غير الرسمية، وتراجع إيرادات الجمارك الرسمية بنسبة 15% رغم رفع السعر، مع ازدهار شبكات لا تدفع ضرائب ولا تخضع للرقابة. وهنا تخسر الدولة مرتين: إيراداً وأمناً.

المسار الثالث هو مسار الركود المستورد. يتحقق إذا تراكمت الزيادات الجمركية مع ارتفاع تكلفة التمويل ونقص النقد الأجنبي. الأثر المقاس هو انكماش الواردات بنسبة 18%، ونقص في مدخلات الإنتاج والدواء، وإغلاق نسبة مقدرة من المصانع الصغيرة التي لا تستطيع تمويل الاستيراد، ما يولد بطالة جديدة ويزيد الضغط على المالية العامة.

الخلاصة المنهجية أن رفع الدولار الجمركي ليس سياسة اقتصادية مكتملة. هو مسكن مالي في جسد اقتصاد ينزف. هو اعتراف بأن الدولة عجزت عن زيادة الإنتاج فاختارت زيادة الجباية، وبأن الحرب استنزفت الموازنة فأصبح المواطن الممول الأخير. المشكلة أن لهذه الأداة سقفاً. كل زيادة ترفع الإيراد اليوم وتقتل الاستهلاك غداً. كل زيادة تغلق مصنعاً وتفتح باب تهريب. وكل زيادة تثبت في أذهان الناس أن الجنيه لا قيمة له وأن الاستيراد هو الخطر. لا يمكن تحقيق استقرار سعري بسياسات جمركية في اقتصاد يعاني عجزاً إنتاجياً ونزاعاً مسلحاً استقرار الأسعار يبدأ من المزرعة والمصنع والميناء، لا منفذ الجمارك. وإذا لم يرافق قرار زيادة الدولار الجمركي خطة إنتاج وتعاف مالي، فإنه سيتحول خلال 90 يوماً من قرار إيرادي إلى شرارة موجة غلاء جديدة، وسيكون المواطن هو من يدفع الفاتورة كاملة.

 

** محلل وأكاديمي وخبير اقتصادي مشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى