السودان بين الدولار والجنيه: معركـة الثقـة والبقـاء

د. الصادق علي حاج الشيخ
في أوقات الاستقرار، يُنظر إلى سعر الصرف بوصفه مؤشرًا اقتصاديًا يتغير صعودًا وهبوطًا وفق حركة الأسواق. أما في أوقات الأزمات، فإنه يتحول إلى مقياس لمدى قدرة الدولة على حماية اقتصادها، والمحافظة على ثقة مواطنيها، وضمان استقرار حياتهم اليومية. ومن هذا المنطلق، فإن أزمة الجنيه السوداني لا يمكن اختزالها في ارتفاع سعر الدولار أو انخفاض قيمة العملة الوطنية، بل هي انعكاس لاختلالات أعمق طالت الإنتاج، والمؤسسات، والأسواق، والثقة في المستقبل.
إن العلاقة بين الجنيه والدولار ليست مجرد علاقة بين عملتين، بل هي في جوهرها علاقة بين الاقتصاد والثقة. فعندما يثق المواطن والمستثمر في قدرة الاقتصاد على النمو والاستقرار، يحتفظان بالعملة الوطنية ويستثمران بها. أما عندما تتراجع هذه الثقة، فإن البحث عن ملاذات أكثر أمانًا، مثل الدولار أو الذهب، يصبح سلوكًا اقتصاديًا طبيعيًا، لا مجرد استجابة لحركة الأسعار.
أولًا: جذور الأزمة:
تؤكد نظريات الاقتصاد الكلي أن سعر الصرف يعكس في نهاية المطاف قوة الاقتصاد الحقيقي. فوفق نظرية تعادل القوة الشرائية، لا تستطيع أي عملة المحافظة على قيمتها إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة تفوق نمو الإنتاج والإنتاجية. كما تشير نظرية ميزان المدفوعات إلى أن استمرار العجز بين الصادرات والواردات يولد طلبًا متزايدًا على العملات الأجنبية، الأمر الذي يضع ضغوطًا مستمرة على العملة الوطنية.
وفي السودان، لم تبدأ أزمة الجنيه مع الحرب، وإنما سبقتها سنوات من الاختلالات الهيكلية، تمثلت في ضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد الكبير على استيراد الغذاء والوقود والدواء، مقابل صادرات تتركز في الذهب وبعض المنتجات الزراعية الأولية. كما أدى اتساع العجز المالي واللجوء إلى التوسع في الإصدار النقدي لتمويله إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه بصورة متواصلة.
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتعمق هذه الاختلالات، فتوقفت أنشطة إنتاجية واسعة، وتضررت البنية التحتية، وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت الصادرات، واتسع نطاق الاقتصاد غير الرسمي، بينما أصبحت قدرة الدولة على إدارة النشاط الاقتصادي أكثر محدودية. وهكذا انتقلت الأزمة من مرحلة الهشاشة إلى مرحلة الانكشاف الكامل.
ثانيًا: الدولار ليس المشكلة… بل نتيجة لها
يركز كثير من النقاش العام على ارتفاع سعر الدولار، وكأنه السبب المباشر للأزمة، بينما تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن شراء الدولار غالبًا ما يكون نتيجة لفقدان الثقة في العملة المحلية، لا سببًا مستقلًا للأزمة.
وتؤدي النقود ثلاث وظائف رئيسية: فهي وسيلة للتبادل، ووحدة لقياس القيمة، ومخزن للقيمة. ولا يزال الجنيه السوداني يؤدي الوظيفتين الأوليين داخل الاقتصاد المحلي، لكنه يواجه تحديًا متزايدًا في أداء وظيفته الثالثة، وهي الحفاظ على القيمة عبر الزمن.
وعندما ترتفع معدلات التضخم وتتزايد التوقعات بانخفاض قيمة العملة، يسعى الأفراد والشركات إلى حماية مدخراتهم من خلال الاحتفاظ بالدولار أو الذهب أو الأصول العقارية. ويصف الاقتصاديون هذا السلوك بظاهرة الإحلال النقدي، حيث تبدأ العملة الأجنبية في أداء بعض وظائف العملة الوطنية نتيجة تراجع الثقة في استقرارها.
ومن هنا، فإن الإقبال على الدولار لا يعكس بالضرورة تفضيلًا لعملة أجنبية، بقدر ما يعكس محاولة عقلانية لحماية المدخرات من التآكل. ولذلك فإن الحد من هذه الظاهرة لا يتحقق بالقيود الإدارية وحدها، وإنما بإعادة بناء الثقة في الجنيه من خلال استقرار الاقتصاد الكلي، وخفض التضخم، وتحسين البيئة الاستثمارية.
ثالثًا: السوق الموازي… مرآة لاختلالات الاقتصاد
يمثل اتساع السوق الموازي للنقد الأجنبي أحد أبرز مظاهر الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يعكس اختلالات أعمق في الاقتصاد. فحين تتعدد أسعار الصرف، تصبح الأسعار غير قادرة على أداء دورها الطبيعي في توجيه الاستثمار والتجارة، وتزداد فرص المضاربة، ويتراجع دور القنوات الرسمية في توفير النقد الأجنبي.
كما أن الأسواق لا تتحرك وفق الوقائع الحالية وحدها، بل وفق توقعات المتعاملين بشأن المستقبل. فإذا سادت القناعة بأن قيمة الجنيه ستواصل التراجع، ازداد الطلب على الدولار، وارتفع سعره، فتتحول التوقعات نفسها إلى عامل يدفع الأزمة إلى مزيد من التعقيد.
ومن ثم، فإن استقرار سوق الصرف يتطلب أكثر من إجراءات رقابية؛ فهو يحتاج إلى سياسات اقتصادية متسقة ومفهومة، تعيد للمواطنين والمستثمرين الثقة بأن قيمة العملة ستستند إلى اقتصاد قادر على الإنتاج، لا إلى تدخلات مؤقتة في السوق.
رابعًا: المؤسسات والذهب… موارد كبيرة تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة
لا يمكن لأي سياسة نقدية أن تحقق أهدافها في غياب مؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة. ولذلك ترتبط قوة العملة ارتباطًا وثيقًا بجودة المؤسسات الاقتصادية، ووضوح القوانين، وكفاءة الإدارة، والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية.
وفي السودان، يواجه الإطار المؤسسي تحديات متعددة، تشمل الحاجة إلى تعزيز كفاءة البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، وتطوير الرقابة على القطاع المصرفي، وتحديث التشريعات المنظمة للنقد الأجنبي، ودمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية تدريجيًا في الاقتصاد المنظم.
وفي المقابل، يمتلك السودان ميزة استراتيجية تتمثل في ثروته الذهبية، إذ يُعد من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا. غير أن هذه الميزة لم تتحول إلى مصدر مستدام لدعم الاحتياطيات من النقد الأجنبي، بسبب استمرار التهريب، واتساع الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية، وتعدد الجهات المشرفة على القطاع.
ولا تعني الإدارة الرشيدة للذهب احتكار الدولة للتجارة أو التصدير، وإنما بناء منظومة تنظيمية تجعل البيع عبر القنوات الرسمية أكثر جدوى وربحية من التهريب، من خلال تسعير عادل، وإجراءات واضحة، وسرعة في السداد، بما يعزز تدفق حصائل الصادرات إلى الاقتصاد الرسمي.
خامسًا: ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟ ولماذا نجحت؟
تكشف تجارب الدول التي واجهت أزمات نقدية حادة أن استعادة استقرار العملة لم تكن يومًا نتيجة قرار نقدي منفرد، وإنما ثمرة إصلاح اقتصادي ومؤسسي متكامل أعاد بناء الثقة في الدولة والاقتصاد معًا.
ففي رواندا، جاء التعافي بعد الحرب من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج، الأمر الذي أعاد الثقة تدريجيًا في الاقتصاد الوطني. وفي تركيا بعد أزمة عام 2001، أسهم إصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز كفاءة إدارة السياسة النقدية، والانضباط المالي في خفض التضخم واستعادة الثقة بالليرة خلال السنوات اللاحقة. أما بولندا، فقد نجحت عبر إصلاحات قانونية واقتصادية متدرجة دعمت اقتصاد السوق، وشجعت الاستثمار والإنتاج والتصدير، فانعكس ذلك على استقرار عملتها وتحسن قدرتها التنافسية.
وتؤكد التجربة الألمانية بعد أزمة التضخم الجامح في عشرينيات القرن الماضي أن الإصلاح النقدي لا يحقق أهدافه ما لم يقترن بإصلاح المالية العامة، وإعادة بناء الاقتصاد الحقيقي، واستعادة ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية بين هذه الدول، فإن نجاحها استند إلى أربعة مبادئ رئيسية: المصداقية في السياسات الاقتصادية، والانضباط المالي، والإصلاح المؤسسي، وتعزيز الإنتاج والتصدير. فقد أثبتت التجارب أن الأسواق تستجيب لما تثق في استمراره، أكثر من استجابتها للقرارات المؤقتة، وأن قوة العملة لا تُبنى بالتدخلات الإدارية وحدها، بل باقتصاد منتج ومؤسسات فعالة وسياسات متسقة.
سادسًا: الثقة الاقتصادية… رأس المال غير المرئي
لا تتحرك أسعار الصرف وفق المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل تتأثر أيضًا بتوقعات المواطنين والمستثمرين. وتوضح الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السلوكي أن الثقة تُعد أحد أهم الأصول غير الملموسة في أي اقتصاد؛ فهي تؤثر في قرارات الادخار والاستثمار والاستهلاك، كما تؤثر في الطلب على العملة الوطنية أو الأجنبية.
فعندما يثق الأفراد في استقرار السياسات الاقتصادية، تقل المضاربة على العملات الأجنبية، وتزداد الرغبة في الاحتفاظ بالعملة الوطنية والاستثمار بها. أما عندما تتراجع الثقة، فإن التوقعات السلبية تتحول إلى قوة دافعة للأزمة، إذ يزداد الطلب على الدولار، وتتسارع وتيرة تراجع العملة المحلية.
ومن هنا، فإن استعادة الثقة ليست نتيجة للإصلاحات فحسب، بل هي في الوقت نفسه أحد أهم شروط نجاحها. فالإصلاح الاقتصادي الناجح هو الذي يبعث برسالة واضحة إلى المواطنين والأسواق مفادها أن السياسات تتسم بالاتساق، وأن المؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة واستمرار.
سابعًا: ما الذي يحتاجه السودان؟
إن معالجة أزمة سعر الصرف في السودان تتطلب رؤية متدرجة تراعي ظروف الاقتصاد وواقع ما بعد الحرب، ويمكن تلخيص أهم الأولويات فيما يلي:
على المدى القصير: الحد من التمويل التضخمي للعجز المالي، وتحسين إدارة سوق النقد الأجنبي، وتنظيم تجارة الذهب بما يقلل التهريب ويزيد التوريد عبر القنوات الرسمية، إلى جانب تعزيز كفاءة البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية وتوسيع القنوات الرسمية لاستقبال تحويلات السودانيين في الخارج.
على المدى المتوسط: إصلاح النظام المصرفي، وتحديث قوانين النقد الأجنبي والاستثمار، وتطوير وسائل الدفع الإلكتروني، وتعزيز الشمول المالي، مع العمل على تقليص الفجوة بين أسعار الصرف كلما تهيأت الظروف الاقتصادية لذلك.
على المدى الطويل: إعادة بناء القاعدة الإنتاجية، وزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتنويع الصادرات، وبناء احتياطيات كافية من النقد الأجنبي والذهب تُدار وفق معايير الشفافية والحوكمة، في إطار برنامج وطني متكامل لإعادة الإعمار الاقتصادي بعد الحرب.
ولا تمثل هذه الإجراءات حلولًا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، إذ إن نجاح أي منها يعتمد على تقدم الإصلاحات في الجوانب الأخرى.
خاتمة:
إن أزمة الجنيه السوداني ليست أزمة سعر صرف فحسب، بل هي انعكاس لمسار اقتصادي ومؤسسي طويل تداخلت فيه تحديات الإنتاج والمالية العامة والإدارة الاقتصادية مع آثار الحرب وتراجع الثقة. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا تبدأ من سوق النقد وحده، وإنما من إعادة بناء الأسس التي تقوم عليها قيمة العملة في أي اقتصاد.
ولعل أهم ما تعلمه التجارب الاقتصادية الناجحة أن قوة العملة ليست هدفًا يُفرض بالقرارات، وإنما نتيجة طبيعية لاقتصاد منتج، ومؤسسات كفؤة، وسياسات متسقة تحظى بثقة المجتمع. فحين تستعيد الدولة هذه المقومات، يستعيد الجنيه قوته بوصفه انعكاسًا لعافية الاقتصاد، لا مجرد رقم في سوق الصرف.
ويمكن النظر إلى سعر الصرف بوصفه مؤشرًا مركبًا للثقة الوطنية؛ فهو لا يعكس العلاقة بين عملتين فحسب، بل يعكس أيضًا مستوى الثقة في الإنتاج، وفي المؤسسات، وفي قدرة الدولة على إدارة اقتصادها بكفاءة. وكلما تعززت هذه العناصر، اقترب سعر الصرف من التعبير عن القيمة الحقيقية للاقتصاد، لا عن حالة القلق التي يعيشها.
إن الدول لا تبني قوة عملاتها بإصدار المزيد من النقود، وإنما ببناء اقتصاد ينتج، ومؤسسات تحكم بكفاءة، ومجتمع يثق في المستقبل. وعندما تلتقي هذه العناصر، يصبح استقرار العملة نتيجة طبيعية، لا هدفًا تسعى إليه السياسات بصورة منفصلة.



