تقارير

هل يُعدّ وصف مجموعة من المحررين الأمريكيين لقوات الدعم السريع بـ”المتمردين” تغييرًا في السياسة أم تغييرًا في التصور؟

المحقق- محمد عثمان آدم

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالًا وصفت فيه، ولأول مرة في افتتاحية، قوات الدعم السريع بـ”المتمردين”. وبما أن المقال رأي، فمن المؤكد أنهم يدركون تمامًا الفرق بين وصفهم بـ”منافسي الجيش” ووصفهم بـ”المتمردين”. فهل يُعدّ هذا تغييرًا في الرأي، أم أنه مجرد مرادف آخر لقوات الدعم السريع؟

يشير المقال برمته إلى أنهم جادّون في ذلك الاختيار. فكلمة “متمرد” مصطلح محايد، ولكن في علم اللغة الاجتماعي، تعني وجود كيان رئيسي مستقرّ تتمرد عليه جهات أخرى. لذا فهولاء تمردوا على الحكومة، وبالتالي يحقّ للحكومة، سياسيا، استخدام جميع الوسائل لقمعهم. إنه تغيير ذو دلالة سياسية.

يعكس مقال الرأي، الذي جاء تحت عنوان “على العالم أن يستيقظ على فظائع السودان”، وجهة نظر المحررين، حتى وإن كانت تخالف السياسة العامة للمؤسسة المعنية. وكما يُشير العنوان، فقد وصفوا ما قامت به مليشيا الدعم السريع في الماضي، وإن كان ذلك بموافقة الحكومة آنذاك، وما تُخطط للقيام به اليوم، بأنه “فظائع”.

ونُشرت افتتاحية الصحيفة اليوم (الأثنين) الموافق 13 يوليو، وأوضحت أن هذه الافتتاحية “تمثل رأي مجموعة من الصحفيين الذين يستندون في آرائهم إلى الخبرة والبحث والنقاش وقيم راسخة. وهي مستقلة عن قسم الأخبار”.
وذكرت الافتتاحية أنه بعد خمسة أشهر من إعلان الأمم المتحدة عن وقوع أعمال إبادة جماعية في السودان، قد تكون كارثة أخرى لحقوق الإنسان وشيكة.

وأقول بالطبع، يُدرك القارئ أن التقرير الذي نشرته هيئات الأمم المتحدة وخبراؤها قبل خمسة أشهر وصف ما حدث في الفاشر، في أكتوبر 2025، بأنه يُجسد “جميع سمات الإبادة الجماعية”.
وأضافت المقالة اليوم أن هذه ليست الحالة الوحيدة، وأن هذه الجماعات “المتمردة” لها “تاريخ في ارتكاب الفظائع”، مما يعني أن ما حدث لم يكن عشوائيًا، بل كان نتيجة تخطيط مُحكم.

وتابع مقال الرأي مؤكدًا أن “قوات الدعم السريع، وهي جماعة متمردة تسيطر على أجزاء من البلاد ولها تاريخ في ارتكاب الفظائع، قد تجمعت خارج مدينة الأبيض، ذات الأهمية الاستراتيجية، وكادت أن تحاصرها. ويواجه نحو 600 ألف شخص نقصًا حادًا في الغذاء والماء والدواء، وقد قتلت قوات الدعم السريع بالفعل بعض المدنيين في غارات بطائرات مسيرة”.

ثم استشهد مقال الرأي، دعمًا لهذا السرد بمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، حين كتب قائلا “إن المؤشرات من الأبيض واضحة لا لبس فيها: كارثة أخرى لحقوق الإنسان تتكشف في السودان”.

ثم أعرب الكتاب عن أسفهم لوجود أسباب عديدة لتجاهل الحرب في السودان في كثير من الأحيان، على الرغم من كونها أكثر دموية من صراعات تحظى باهتمام أكبر بكثير. من ذلك في رأيهم أن السودان لا يندرج ضمن النقاشات السياسية العالمية الأوسع نطاقًا كما هو الحال مع الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط.
ويذهبون إلى أنه كثيرًا ما يتم تجاهل أفريقيا مِن قِبل مَن هم في القارات الأخرى، وهو ما يعكس ازدواجية المعايير العرقية والاقتصادية. “لقد عانى السودان طويلاً من ويلات الحرب، حتى باتت جهود إحلال السلام تبدو عديمة الجدوى.
لا يُقبل أيٌّ من هذه التفسيرات، بل لعلها تُفاقم التكاليف الباهظة للصراع المستمر. تُعدّ الحرب في السودان من أشدّ الحروب فتكاً في العالم، حيث تُقدّر حصيلة القتلى، وفقاً لتقديرات المراقبين المستقلين، ما بين 150 ألفاً و400 ألف قتيل. وقد نزح ملايين السودانيين من ديارهم، ولجأ بعضهم إلى الدول المجاورة”.

وحذّر المقال أيضاً من أنه بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح والمعاناة التي لحقت بالأبرياء في السودان نفسه، فكلما طال أمد القتال، ازداد احتمال انتشار عدم الاستقرار الإقليمي.

وأكّد المحررون على ضرورة بذل العالم جهوداً أكبر لوقف القتل والنزوح الجماعي في السودان، وأن التهديد الذي يواجه الابيض يجب أن يُحفّز على اتخاذ إجراءات عاجلة.
وأشار مقال الرأي إلى أن الولايات المتحدة في وضع فريد يمكّنها من حثّ القوى الإقليمية على التدخل لوقف التهديد الحالي وإنهاء الحرب. “إن النفوذ الأمريكي على مصر والسعودية والإمارات، الدول التي قدمت الدعم للأطراف المتحاربة، قادر على استئناف محادثات السلام والبدء بوقف إطلاق النار. ويتعين على إدارة ترامب أن تعيد التزامها بشكل عاجل بالسلام في السودان وحماية المدنيين الأبرياء الذين يواجهون خطر الاعتداء الجنسي والتعذيب والقتل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى