السودان في مرآة النظام الدولي .. سلسلة أوراق تحليلية

هشام يوسف عبد الرحمن
مدخل أول:
ليست هذه السلسلة سرداً لأحداث الحرب السودانية، ولا محاولة لتحديد المسؤوليات السياسية أو العسكرية، وإنما هي قراءة تحليلية تسعى إلى فهم الحرب بوصفها ظاهرة مركبة تتقاطع فيها تحولات النظام الدولي، وتغيُر طبيعة الصراعات المسلحة، وصعود اقتصاد الحرب، وإعادة تعريف أدوار الدولة والفاعلين الإقليميين والدوليين.
وتستند الرؤية التحليلية إلى منهج تحليلي مقارن يوظف عدداً من أبرز الإسهامات في الفكر الاستراتيجي، والعلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي للصراعات، ونظريات بناء الدولة، دون افتراض التطابق بين التجارب التاريخية المختلفة والحالة السودانية. فالغاية ليست إسقاط نماذج جاهزة على الواقع، وإنما استخدام تلك الأدبيات بوصفها أدوات تفسير تساعد على قراءة حالة معقدة يصعب فهمها من خلال منظور واحد.
وانطلاقاً من ذلك، تفترض السلسلة أن الحرب السودانية ليست حدثاً معزولاً، بل تقع عند نقطة تقاطع بين تحولات داخلية وإقليمية ودولية أوسع، وأن فهمها يقتضي الانتقال من سؤال “من يقاتل؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف تغيرت طبيعة الحرب، وكيف تغيرت معها طبيعة الدولة والنفوذ والقوة؟”
فكرة السلسلة:
شهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة في طبيعة الصراعات المسلحة. فقد تراجعت الحروب التقليدية بين الدول، وصعدت أنماط أكثر تعقيداً تتداخل فيها الدولة مع الفاعلين غير الحكوميين، والاقتصاد مع الأمن، والمحلي مع الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، وإنما أصبحت منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، تعيد تشكيل نفسها باستمرار، وتنتج مصالح تدفع إلى استمرارها بقدر ما تعرقل إنهاءها.
تنطلق هذه السلسلة من فكرة رئيسية مؤداها أن الحرب السودانية تمثل إحدى أبرز صور التحولات التي شهدتها طبيعة الصراعات المعاصرة؛ فهي لا تُفسَّر فقط باعتبارها نزاعاً داخلياً، ولا بوصفها انعكاساً لتنافس إقليمي أو دولي، وإنما بوصفها حالة تتقاطع فيها الحروب الجديدة، وحروب الوكالة، واقتصاد الحرب، وأزمة الدولة.
ولفهم هذه الفكرة، تستند السلسلة إلى خمس مجموعات رئيسية من الأدبيات الفكرية، تجمع بين نظريات الحرب، والعلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي للصراعات، وبناء الدولة، والهيمنة والأمن. ومن خلال الربط بين هذه المقاربات، تسعى السلسلة إلى تقديم قراءة تحليلية تساعد على فهم الحرب السودانية في ضوء التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي.
وتخلص الرؤية التحليلية إلى أن مستقبل السودان لن تحدده نتائج المعارك وحدها، وإنما قدرة الدولة على استعادة مؤسساتها، وتفكيك اقتصاد الحرب، وتعزيز المناعة الوطنية، وتقليص قابلية الداخل للاختراق، في بيئة دولية تتغير فيها أدوات النفوذ أكثر مما تتغير أهدافه.
الإطار النظري للسلسلة:
تعتمد هذه السلسلة على مقاربة متعددة التخصصات، تستند إلى خمس مدارس فكرية رئيسية، يضيء كل منها جانباً من الظاهرة محل الرؤية التحليلية.
أولاً: نظرية الحرب وتحولاتها
وتستند إلى أعمال كارل فون كلاوزفيتز، ومارتن فان كريفيلد، وماري كالدور، لفهم التحول من الحروب التقليدية بين الدول إلى الحروب الجديدة التي تتداخل فيها الدولة مع الفاعلين غير الحكوميين، والاقتصاد، والهوية، والشبكات العابرة للحدود.
ثانياً: العلاقات الدولية والاستراتيجية
وتستفيد من إسهامات جون ميرشايمر، وستيفن والت، وإدوارد لوتواك، وأندرو مومفورد، وهنري كيسنجر، وزبيغنيو بريجينسكي، وجوزيف ناي، لتفسير سلوك القوى الكبرى، وتحولات موازين القوة، ومنطق حروب الوكالة، وأدوات النفوذ في النظام الدولي.
ثالثاً: الاقتصاد السياسي للصراعات
وتعتمد على أعمال بول كوليير وديفيد كين، اللذين قدما من أبرز التفسيرات لاستمرار الحروب الأهلية من خلال مفهوم اقتصاد الحرب، وتحول العنف إلى منظومة تعيد إنتاج نفسها.
رابعاً: الدولة والشرعية والمناعة الوطنية
وتستند إلى أفكار ابن خلدون، ومالك بن نبي، وأنطونيو غرامشي، وصامويل هنتنغتون، وفرانسيس فوكوياما، وتشارلز تيلي، وغونار ميردال، لفهم العلاقة بين تماسك المجتمع، وقوة المؤسسات، والشرعية، وقابلية الدولة للاختراق.
خامساً: الهيمنة والأمن
وتستفيد من تحليلات عبد الوهاب المسيري في فهم أنماط الهيمنة الحديثة، ومن مدرسة باري بوزان في الأمن، ولا سيما مفهوم الأمننة (Securitization)، لتفسير انتقال النزاعات المحلية إلى فضاء الأمن الإقليمي والدولي.
ولا تُستحضر هذه المرجعيات على سبيل المطابقة مع الحالة السودانية، ولا بوصفها تفسيراً وحيداً، وإنما للاستفادة مما تقدمه من أدوات ورؤى تساعد على بناء قراءة متعددة المستويات للحرب السودانية، تجمع بين المحلي والإقليمي والدولي، وبين العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.
مدخل ثان:
شهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تحولات عميقة لم تقتصر على إعادة توزيع القوة بين الدول، وإنما امتدت إلى طبيعة الصراعات المسلحة ذاتها، وإلى الأدوات التي تُدار بها، والفاعلين الذين يشاركون فيها، والغايات التي تسعى إلى تحقيقها. فلم تعد الحرب، كما عرفها القرن العشرون، مواجهة تقليدية بين جيوش نظامية تسعى إلى تحقيق نصر عسكري واضح، بل أصبحت في كثير من الحالات منظومة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، والاعتبارات السياسية مع الهويات الاجتماعية، والأبعاد المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
وقد أفرز هذا التحول أسئلة جديدة لم تعد الأدوات الكلاسيكية في تحليل الحروب كافية للإجابة عنها. فلماذا تستمر بعض الصراعات سنوات طويلة رغم غياب الحسم العسكري؟ ولماذا تتراجع التدخلات العسكرية المباشرة لصالح أنماط أكثر تعقيداً من النفوذ غير المباشر؟ وكيف تتحول الحرب، في بعض البيئات، من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى بنية اقتصادية واجتماعية تعيد إنتاج نفسها؟ ولماذا تبدو بعض الدول أكثر عرضة من غيرها لأن تصبح ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية؟
هذه الأسئلة دفعت عدداً من أبرز منظري الحرب والعلاقات الدولية إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت التفكير الاستراتيجي لعقود طويلة. فمن التصور الكلاسيكي للحرب عند كارل فون كلاوزفيتز، إلى أطروحات مارتن فان كريفيلد وماري كالدور حول تحولات الحرب، ومن الواقعية الهجومية (Offensive Realism) عند جون ميرشايمر وستيفن والت إلى تحليلات أندرو مومفورد لحروب الوكالة، ومن الاقتصاد السياسي للصراعات عند بول كوليير وديفيد كين إلى نظريات الدولة عند ابن خلدون ومالك بن نبي وأنطونيو غرامشي وصامويل هنتنغتون وفرانسيس فوكوياما وتشارلز تيلي وغونار ميردال، مروراً بتحليلات عبد الوهاب المسيري للبنى الحديثة للهيمنة، ومقاربات باري بوزان للأمن الإقليمي، تشكلت خلال العقود الأخيرة منظومة معرفية متكاملة أعادت تعريف مفاهيم الحرب، والدولة، والهيمنة، والأمن، والسيادة.
ولا تستحضر هذه السلسلة تلك المرجعيات بوصفها سلطة فكرية يُراد إسقاطها على الحالة السودانية، وإنما باعتبارها أدوات تحليل تساعد على فهم ظاهرة تتجاوز حدود السودان، وتعكس في الوقت نفسه كثيراً من التحولات التي يشهدها النظام الدولي المعاصر. فالحالة السودانية ليست معزولة عن هذه التحولات، كما أنها ليست نسخة مطابقة لأي تجربة أخرى؛ وإنما تمثل حالة مركبة تتداخل فيها معظم السمات التي تناولتها تلك الأدبيات، من الحروب الجديدة، إلى حروب الوكالة، إلى اقتصاد الحرب، إلى إشكاليات بناء الدولة والشرعية.
ومن هذا المنطلق، لا تنطلق هذه الرؤية التحليلية من سؤال: من المسؤول عن الحرب؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال، على أهميتها، تبقى مرتبطة بالوقائع السياسية المتغيرة. وإنما تنطلق من سؤال أكثر عمقاً واستدامة: ما الذي يجعل حرباً كهذه ممكنة أصلاً؟ وكيف تتفاعل التحولات الداخلية مع البيئة الإقليمية والدولية لتنتج صراعاً طويل الأمد، تتبدل فيه الأدوات والفاعلون، بينما يبقى منطق الحرب نفسه قادراً على إعادة إنتاج ذاته؟
وتفترض هذه السلسلة أن فهم الحرب السودانية لا يتحقق من خلال تفسير أحادي، ولا من خلال اختزالها في بعد عسكري أو سياسي أو اقتصادي منفرد، وإنما عبر مقاربة متعددة المستويات، تنظر إلى الصراع بوصفه نقطة التقاء بين تحول طبيعة الحرب، وصعود حروب الوكالة، وتشكل اقتصاد الحرب، وأزمة الدولة الحديثة. فكل مستوى من هذه المستويات يفسر جانباً من الظاهرة، غير أن أياً منها لا يكفي، منفرداً، لتفسيرها كاملة.
وانطلاقاً من هذه الفرضية، تسعى الرؤية التحليلية إلى الإجابة عن خمسة أسئلة رئيسية:
• كيف تغيرت طبيعة الحرب في القرن الحادي والعشرين؟
• لماذا أصبحت حروب الوكالة إحدى الأدوات الرئيسة في إدارة الصراعات الدولية؟
• كيف يتحول الصراع إلى اقتصاد يعيد إنتاج نفسه؟
• ما الذي يجعل بعض الدول أكثر قابلية للاختراق من غيرها؟
• وأخيراً، كيف تساعد هذه المقاربات مجتمعة على تقديم قراءة أكثر عمقاً للحرب السودانية في سياق التحولات التي يشهدها النظام الدولي؟
وبهذا المعنى، لا تقدم هذه السلسلة تفسيراً نهائياً للحرب السودانية، ولا تدعي امتلاك إجابات قاطعة لكل تعقيداتها، وإنما تسعى إلى بناء إطار تحليلي يربط بين النظرية والواقع، ويستفيد من الفكر الاستراتيجي والاقتصاد السياسي ونظريات الدولة، لفهم واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الإقليم، بعيداً عن التفسيرات الاختزالية، وبما يفتح المجال أمام قراءة أوسع للعلاقة بين الدولة، والحرب، والنظام الدولي في القرن الحادي والعشرين ..
يتبع ،،



