رأي

نحو سودان جديد .. رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج (4)

نعمان يوسف محمد **

 

حين يدور الحديث عن إعادة إعمار السودان، يتكرر سؤال يبدو بديهياً: من أين سنحصل على التمويل؟ ورغم مشروعية هذا السؤال، فإنه ليس نقطة البداية الحقيقية.

فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول الخارجة من النزاعات لا تتعثر بسبب نقص الأموال وحده، كما أنها لا تنجح لمجرد تدفقها. فقد حصلت دول كثيرة على مليارات الدولارات، لكنها أخفقت في بناء اقتصاد منتج لأنها افتقدت المؤسسات الكفؤة والسياسات الرشيدة والقدرة على توجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: كم نملك من المال؟ بل: كيف نبني منظومة مالية تحول الأموال إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة إلى تنمية مستدامة؟

فالمال لا يصنع التنمية بمفرده، بل يمولها. أما التنمية الحقيقية فتصنعها مؤسسات قوية، وسياسات مستقرة، وكفاءات قادرة، وأسواق عادلة، وثقة متبادلة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح التمويل محركاً للنمو لا مجرد سيولة تتنقل بين الحسابات.

ومن هنا تأتي أهمية القطاع المالي. فهو ليس مجرد وسيط بين المدخرين والمقترضين، بل هو الجهاز الذي ينقل المدخرات إلى الاستثمار، ويحرك رؤوس الأموال نحو القطاعات الأكثر قدرة على الإنتاج وخلق فرص العمل. وإذا تعطلت هذه المنظومة أو ضعفت كفاءتها، تباطأت الاستثمارات، وانخفض الإنتاج، وارتفعت تكلفة النمو.

لقد كشفت الحرب عن هشاشة أجزاء واسعة من المنظومة المالية السودانية، بعدما تعطلت مؤسسات، وتراجعت الثقة، وواجهت الأنشطة الاقتصادية صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات المالية. لذلك، فإن إعادة الإعمار لا تبدأ بإعادة فتح الفروع المصرفية فحسب، بل بإعادة بناء قطاع مالي أكثر قوة ومرونة وقدرة على خدمة الاقتصاد الحقيقي.

السودان لا يحتاج إلى قطاع مالي أكبر حجماً، وإنما إلى قطاع أكثر كفاءة وشمولاً وابتكاراً؛ قطاع يوجه المدخرات نحو الاستثمار المنتج، ويمول الزراعة والصناعة وسلاسل القيمة والتكنولوجيا، بدلاً من تركيز موارده في الأنشطة قصيرة الأجل التي لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.

كما يحتاج إلى سلطة نقدية تمتلك رؤية تنموية واضحة، لا تكتفي بالحفاظ على الاستقرار النقدي، بل تقود عملية تطوير القطاع المالي، وتعزز الشمول المالي، وتشجع الابتكار، وتبني بيئة تنظيمية قادرة على توجيه التمويل نحو أولويات التنمية الوطنية. فالبنك المركزي في الدولة التنموية ليس حارساً للاستقرار النقدي فحسب، بل شريك أساسي في صناعة التحول الاقتصادي.

لكن نجاح هذا التحول لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء منظومة مالية حديثة تقوم على خمس ركائز رئيسة تمثل الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه عملية إصلاح القطاع المالي في مرحلة إعادة الإعمار:

الثقة… رأس المال الأول:

لا يمكن لأي نظام مالي أن يعمل في بيئة تفتقد الثقة. فالمودع لا يضع أمواله في مصرف لا يطمئن إليه، والمستثمر لا يخاطر برأس ماله في اقتصاد يفتقر إلى الاستقرار، والمصرف لا يمول مشروعاً لا يستطيع تقييم مخاطره.

ولهذا، فإن استعادة الثقة ليست مهمة إعلامية، ولا شعاراً سياسياً، بل هي أول استثمار في إعادة الإعمار. وتبدأ هذه الثقة باستقرار السياسات النقدية، وحماية حقوق المتعاملين، وتطبيق الحوكمة والشفافية، وتعزيز الرقابة الفاعلة على المؤسسات المالية.

فكلما ازدادت الثقة، ارتفعت المدخرات، وانخفضت تكلفة التمويل، وتحسنت قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات. وعندما تستعيد المؤسسات المالية مصداقيتها، تستعيد معها قدرتها على قيادة التعافي الاقتصادي.

التمويل المنتج… لا التمويل السهل:

ظل جزء كبير من التمويل في الاقتصادات النامية يتجه إلى الأنشطة التجارية قصيرة الأجل، بينما بقيت القطاعات الإنتاجية تعاني نقصاً مزمناً في التمويل. وهذه المعادلة لا يمكن أن تبني اقتصاداً جديداً.

فالسودان يحتاج إلى تمويل يوسع الرقعة الزراعية، ويطور الصناعة، ويرفع القيمة المضافة للثروة الحيوانية، ويستثمر في الطاقة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي. فهذه القطاعات هي التي تنتج الثروة، وتخلق الوظائف، وتعزز الصادرات.

إن التمويل الذي لا يزيد الطاقة الإنتاجية يظل مجرد سيولة تنتقل بين الأيدي. أما التمويل الذي يذهب إلى الإنتاج، فهو الذي يصنع النمو الحقيقي ويحول الموارد إلى قيمة مضافة مستدامة.

منظومة مالية… لا مصدر تمويل واحد:

لن تستطيع المصارف وحدها تمويل إعادة الإعمار، كما لن تتمكن الدولة وحدها من تحمل كلفتها.

فالاقتصاد الحديث يقوم على منظومة متكاملة تضم المصارف، ومؤسسات التمويل الأصغر، وشركات التمويل، وأسواق رأس المال، وصناديق الاستثمار، والمؤسسات التنموية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وتكمن قوة هذه المنظومة في تنوع أدواتها، بحيث يجد كل مشروع الأداة التمويلية التي تناسب حجمه وطبيعة نشاطه ومرحلته. فكلما تنوعت مصادر التمويل، ارتفعت كفاءة تخصيص الموارد، وتوزعت المخاطر، واتسعت فرص الاستثمار.

الشمول المالي… بوابة الإنتاج:

يُختزل الشمول المالي أحياناً في فتح الحسابات المصرفية أو إتاحة الخدمات المالية للفئات الأقل دخلاً، بينما تتجاوز أهميته ذلك بكثير.

فعندما يتمكن المزارع، والحرفي، وصاحب المشروع الصغير، والمرأة الريفية، والشاب الريادي، من الوصول إلى التمويل والادخار والتأمين والخدمات الرقمية، فإنهم لا يصبحون عملاء للمصارف فحسب، بل يتحولون إلى منتجين يضيفون قيمة للاقتصاد الوطني.

ولهذا، فإن الشمول المالي ليس سياسة اجتماعية فقط، بل سياسة اقتصادية توسع قاعدة الإنتاج، وترفع الإنتاجية، وتخلق فرص العمل، وتدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد المنظم.

التمويل الذي يقاس بالأثر:

نجاح النظام المالي لا يقاس بعدد القروض التي يمنحها، ولا بحجم السيولة التي يضخها، وإنما بالأثر الذي يتركه في الاقتصاد:
كم مشروعاً منتجاً أُنشئ؟
كم فرصة عمل خُلقت؟
كم قيمة مضافة تحققت؟
وكم أسرة انتقلت من الاعتماد على المساعدات إلى الإنتاج؟

هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تحكم فلسفة التمويل في السودان خلال مرحلة إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، يبرز التمويل الأصغر بوصفه أحد أهم أدوات التنمية، لا لأنه يخفف الفقر فحسب، بل لأنه يطلق طاقات ملايين المنتجين، وينشط الاقتصادات المحلية، ويربط المشروعات الصغيرة بسلاسل القيمة، ويحول النشاط غير الرسمي إلى نشاط اقتصادي منظم.

كما تمثل التكنولوجيا المالية فرصة تاريخية لتسريع هذا التحول، من خلال المدفوعات الرقمية، والخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، وتحليل البيانات، وتطوير أدوات أكثر كفاءة في إدارة المخاطر، بما يخفض تكلفة التمويل ويوسع نطاق الوصول إليه، خاصة في المناطق الريفية والأقل حظاً من الخدمات المالية.

لكن نجاح هذه الإصلاحات لن يتحقق بمجرد تحديث القوانين، أو إعادة تشغيل المؤسسات المالية، أو زيادة حجم التمويل. فالقطاع المالي لا يعمل في فراغ، وإنما يستمد قوته من قوة الاقتصاد الحقيقي، ويتأثر ببيئة الاستثمار، وكفاءة المؤسسات، واستقرار السياسات.

ولهذا، فإن إصلاح القطاع المالي لا ينبغي أن يُقاس بعدد المصارف العاملة، أو بحجم السيولة المتداولة، أو بقيمة الأصول المصرفية، بل بقدرته على تمويل الإنتاج، وتوسيع قاعدة الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل.

إن السودان لا يحتاج إلى البحث عن ممولين بقدر حاجته إلى بناء منظومة تمويل وطنية تمتلك رؤية واضحة، وتعرف أين تضع كل جنيه، وكيف تحول كل مورد إلى قيمة مضافة، وكل مشروع إلى فرصة للنمو.

فالقطاع المالي ليس خزينة للأموال، بل محرك للاستثمار، وشريك في التنمية، وأحد أهم أدوات بناء الدولة الحديثة. وعندما يتجه رأس المال إلى الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، وسلاسل القيمة، فإنه لا يمول مشروعات فحسب، بل يبني اقتصاداً أكثر إنتاجاً، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعداداً للمستقبل.

إن التجارب الناجحة لم تبن نهضتها بكثرة الأموال، وإنما بحسن إدارتها. فالمال الذي يذهب إلى الاستهلاك ينفد أثره سريعاً، أما المال الذي يذهب إلى الإنتاج فيولد دخلاً جديداً، ويخلق وظائف، ويزيد الصادرات، ويعزز الاستقرار الاقتصادي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام السودان بعد الحرب. فالقضية ليست في حجم الموارد التي يمكن تعبئتها، وإنما في القدرة على توجيهها نحو الأولويات التي تصنع التنمية وتضمن استدامتها.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقود مرحلة إعادة الإعمار ليس: كم نستطيع أن نقترض؟ بل: كيف نجعل كل جنيه يدخل الاقتصاد ينتج قيمة، ويوفر فرصة عمل، ويرفع الإنتاجية، ويعزز قدرة السودان على المنافسة؟

عندما يصبح التمويل أداة لبناء الإنسان، وتمكين المؤسسات، وتحفيز الابتكار، وربط المنتجين بالأسواق، فإنه يتحول من مجرد وسيلة لتداول الأموال إلى قوة تدفع الاقتصاد إلى الأمام.

وعندها فقط، لن يكون السودان قد أعاد بناء قطاعه المالي فحسب، بل سيكون قد وضع الأساس لاقتصاد منتج، ولدولة تنموية قادرة على تحويل مواردها إلى رخاء، وتحدياتها إلى فرص، وآمال شعبها إلى واقع.

عندما ننشد “سودان جديد” لا نبحث عن حلول مؤقتة، بل عن أفكار تبني دولة قادرة على الإنتاج، ومؤسسات تستحق الثقة، واقتصاد يصنع المستقبل.

“المستقبل لا يورث… بل يبنى.”

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى