النخب السودانية وإدمان المماحكة والمكاواة… من ثقافة الردود إلى ضياع الوطن

عادل الرفاعي أبوالحسن
ليست أزمة السودان في قلة موارده، ولا في ضعف قدراته البشرية، وإنما في أن جزءاً كبيراً من نخبه السياسية ظل لعقود طويلة منشغلاً بإدارة الصراع أكثر من انشغاله ببناء الدولة.
ومنذ الاستقلال، ظل المشهد السياسي السوداني أسيراً لثقافة المماحكة والمكاواة والمطاعنات؛ هذا يرد على ذاك، وذاك يفحم خصمه، وآخر ينتصر في منبر إعلامي أو خطاب سياسي. وتحولت القدرة على الرد والمغالبة إلى ما يشبه الإنجاز السياسي، بينما بقي السؤال الأهم معلقاً: ماذا أُنجز للوطن؟
لقد أصبحت ثقافة الردود نمطاً عاماً في النقاش، وكأن النجاح يُقاس بمن يملك الكلمة الأقوى أو الرد الأكثر حدة، لا بمن يقدم الفكرة الأفضل أو المشروع الأكثر قدرة على بناء المستقبل. فأصبحت طاقات كبيرة تُستهلك في إثبات خطأ الآخر، بدلاً من توجيهها نحو الإنتاج والتنمية وصناعة الدولة.
ولأن الأمم لا تنهض بثقافة الردود، وإنما بثقافة الإنجاز، فقد كان ينبغي أن يكون التنافس السياسي حول بناء المؤسسات، وتطوير التعليم، وتأهيل الزراعة والصناعة، وإنشاء البنية التحتية، وصناعة مستقبل الأجيال. لكن جزءاً كبيراً من الجهد الوطني انصرف إلى صراعات سياسية لم تضف ما يكفي إلى مشروع النهضة.
ومن المشكلات المزمنة التي أثرت على مسيرة السودان غياب ثقافة التراكم. فقد تعاملنا كثيراً مع تجارب الدولة باعتبارها مرتبطة بأشخاص أو أنظمة، لا باعتبارها جزءاً من تاريخ الوطن وخبرته المتراكمة.
فالدول لا تبنى بأن تهدم الحكومات والأنظمة ما سبقها، وإنما بالمحافظة على الموجود وتطويره وتنميته. والوقت الذي يضيع في إزالة التجارب السابقة والبدء من الصفر هو خسارة من عمر الأمة، وغالباً ما يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها، لأن المعرفة والخبرة ، في هذه الحالات، لا تنتقلان عبر الأجيال.
إن كل تجربة بشرية تحمل جوانب نجاح وجوانب إخفاق، والحكمة ليست في تقديسها أو رفضها بالكامل، وإنما في التعامل معها كخبرة وطنية؛ نطوّر ما نجح، ونصحح ما أخفق، ونبني على ما تحقق.
فلا توجد أمة تحترم تاريخها تقوم بمحو تجاربها أو نسف منجزاتها البشرية، لأن تاريخ الشعوب ليس ملكاً لحزب أو حكومة، وإنما هو رصيد وطني تتوارثه الأجيال.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود السياسة، بل إن ثقافة الصراع امتدت أحياناً إلى المجتمع، فأصبح الاختلاف يُنظر إليه باعتباره مواجهة، وأصبح الآخر المختلف يُعامل كخصم يجب إسقاطه، لا كشريك يمكن أن يضيف إلى المشهد الوطني.
والاختلاف في الرأي ليس أزمة، بل هو مصدر قوة للأمم إذا أُحسن إدارته. فمن خلال تعدد وجهات النظر تصل المجتمعات إلى الخيارات الأفضل، ثم تتوحد خلف ما يخدم المصلحة العامة. وإذا ظهر قصور في أي تجربة، فإن العلاج يكون بالمراجعة والتحسين والتطوير، لا بالهدم والإلغاء.
أما عندما يتحول الخصم السياسي إلى عدو، فإن الخطر لا يعود على طرف واحد، وإنما على الدولة نفسها.
ومن أخطر الأخطاء أن تظن أي فئة أن عدم وصولها إلى السلطة يمنحها الحق في تعريض الوطن للخطر، أو أن تستعين بقوة مسلحة لإزاحة خصم سياسي. فالسلطة تتغير، والسياسيون يتبدلون، لكن الدولة إذا ضعفت فإن الجميع يدفع الثمن.
والنتيجة التي عاشها السودان خلال أزمته الأخيرة لا تحتاج إلى شرح طويل؛ فقد كانت النتيجة قتلاً ودماراً وتشريداً ونزوحاً، وتضرراً للمؤسسات، وضياعاً لمقدرات وطنية، وأصبح المواطن يبحث عن استعادة وطنه قبل البحث عن أي مكسب سياسي.
ومن الإنصاف القول إن الأزمات الكبرى لا يصنعها عامل واحد، وإنما هي تراكمات لمواقف وقرارات وممارسات متعددة؛ من شارك بصورة مباشرة، ومن أسهم بصورة غير مباشرة، ومن قدم الحسابات الضيقة على المصلحة الوطنية. لكن الدرس الأهم أن إضعاف الدولة لا يمكن أن يكون طريقاً لبناء مستقبل أفضل.
وهنا تظهر القاعدة الأساسية: الدولة فوق السلطة…
فالسلطة وسيلة لخدمة الدولة، وليست غاية تهدم من أجلها الدولة. والأحزاب والقيادات تتغير، أما الدولة فهي الإطار الذي يحفظ الجميع.
إن السودان يحتاج اليوم إلى مراجعة وطنية عميقة، تنظر إلى تجربته منذ الاستقلال باعتبارها مسيرة واحدة؛ تستفيد من نجاحاتها، وتتعلم من إخفاقاتها، وتحافظ على ما هو إيجابي، بدلاً من إعادة البداية في كل مرة.
لقد آن الأوان أن نخرج من دائرة المماحكة والمكاواة إلى دائرة البناء، وأن ننتقل من سؤال: من انتصر في الجدل؟ إلى السؤال الأهم: ماذا أنجزنا للسودان؟
فالمسؤولية تقع على الجميع: الأحزاب، والقوى المجتمعية، والجامعات، ومراكز البحوث، ووسائل الإعلام، وكل من يساهم في تشكيل الوعي الوطني.
ولا توجد نهضة بلا ثمن، ولا بناء بلا صبر. وطريق السودان إلى المستقبل يحتاج إلى معادلة واضحة:
إرادة وطنية، واستراتيجية واضحة، ومؤسسات قادرة، وصبر على التنفيذ.
فعندما تتحول السياسة من معركة لإقصاء الآخر إلى وسيلة لبناء الدولة، يصبح الاختلاف قوة، والتنوع ثروة، والمستقبل ممكناً.
فالأوطان لا تضيع لأن أبناءها يختلفون، وإنما تضيع عندما يصبح الانتصار على الآخر أهم من الانتصار للوطن، وعندما تحل ثقافة الصراع محل ثقافة الإنجاز.



