ظل الحمار .. معركة الإسم والهوية

د. محمد يوسف حسن
منذ سبعين عاماً كتب الأديب السويسري فريدريش دورينمات مسرحية قصيرة اسمها “قضية ظل الحمار”. تدور حول طبيب استأجر حماراً في يوم قائظ، وعندما اشتدت الشمس نزل واستظل بظل الحمار. فطالبه صاحبه بأجرة إضافية، لأن العقد لم يذكر “الظل”. رفض الطبيب، فذهبا إلى القضاء. ومن هنا بدأت الكارثة. تحدث المحامون، وتحمس الجمهور، وانقسمت المدينة بأكملها بين مؤيد ومعارض. تشابكت الأيدي، واشتعلت الحرب، ولم يبق في النهاية إلا الطبيب وصاحب الحمار واقفين وسط الرماد، وخلفهما كان الحمار ينهق ساخراً: “هل أنا الحمار الوحيد في هذه الحكاية؟”
نضحك ونحن نقرأ المسرحية، ولا ندري أننا نعيشها كل يوم.
إن أخطر ما ابتلينا به في هذا العصر ليس الخلاف حول القضايا الكبرى، بل إدماننا على الخلاف حول “الظل”. صرنا نمنح ساعات من أعمارنا، وليالي من سهرنا، وعلاقات من عمرنا، لأجل أمور لو تأملناها لوجدناها لا تساوي شيئاً. تصريح عابر، وترند زائف، وانتقال لاعب، وطلاق مشهور. قضايا تُصنع بعناية ثم تُلقى إلينا كالطعم، فنتهافت عليها كأن مصيرنا متوقف عليها.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، حيث لا ننظر، تُمرر القرارات، وتُرفع الأسعار، وتُنسى الحقوق، وتُدفن القضايا التي تمس لقمة العيش وأمن البيوت ومستقبل الأبناء وبناء الوطن. وكأن المطلوب أن ننشغل، وأن نستنزف، وأن نكره بعضنا، حتى لا يلتفت أحد إلى السبب الحقيقي.
التعقل لا يعني الصمت. ولا يعني اللامبالاة. التعقل يعني أن تختار معركتك. يعني أن تسأل نفسك قبل أن تشارك أو تغضب أو تهاجم: هل هذا الأمر سيغير شيئاً في رزقي أو في بيت أهلي أو في وطني بعد شهر أو حين من الدهر؟ ومن المستفيد إذا تشاجرنا؟ ولماذا يريدونني الآن محصوراً بين خيارين: معي أو ضدي؟
إذا لم تجد جواباً مقنعاً، فاعلم أنك أمام “ظل حمار” جديد. والظل لا يُبنى عليه بيت، ولا تُزرع تحته شجرة. فاختار لنفسك ما ينفعك ولا يضر غيرك لا أن تخوض فيما لا يعنيك فتسبب الضرر لنفسك وغيرك.
إن أعمارنا أقصر من أن نحرقها في جدالات لا تُسمن ولا تُغني. وطاقتنا أغلى من أن نبددها في الضجيج. فلننسحب بهدوء من أي مسرحية هزلية. لنترك الترند يموت وحده، ولنرجع إلى ما ينفعنا: إلى بيوتنا، إلى أعمالنا، إلى علم نتعلمه، إلى رحم نصله، إلى نصر على العدو نحققه، وإلى جيشنا الصامد ندعمه، وإلى وطن عزيز نصونه ونحفظه، وإلى كراهية وعنصرية ننبذها وإلى قضية حقيقية نستطيع أن نُحدث فيها فرقاً.
فالمدينة لم تحترق لأن الطبيب وصاحب الحمار اختلفا. المدينة احترقت لأن الجمهور قرر أن يتقاتل من أجل الظل أو ما نصطلح عليه اليوم بـ “سواقة الخلا”.



