رأي

نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتِج (6)

نعمان يوسف محمد **

 

منذ عقود، ظل السودان يُوصَف بأنه “سلة غذاء العالم”. ورغم ما تحمله هذه العبارة من تفاؤل، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن خلل عميق في فهم طبيعة التنمية الاقتصادية الحديثة.

فالدول لا تصبح قوية لأنها تنتج الغذاء فقط، وإنما لأنها تنتج المعرفة، والتكنولوجيا، والصناعة، والخدمات، والعلامات التجارية التي تمنح ذلك الغذاء قيمته الاقتصادية الحقيقية.

إن المشكلة لم تكن يوماً في ضعف الموارد السودانية، بل في الطريقة التي أُديرت بها تلك الموارد. فقد تعاملنا مع الزراعة باعتبارها قطاعاً منعزلاً، ومع الصناعة باعتبارها قطاعاً آخر، بينما أثبتت التجارب العالمية أن النهضة الاقتصادية تبدأ عندما يصبح الاثنان جزءاً من منظومة إنتاج متكاملة.

الزراعة بلا صناعة: تبيع المستقبل بثمن المادة الخام.
الصناعة بلا زراعة: تستورد ما يمكن إنتاجه محلياً.
تكامل الأثنين: يشكل القاطرة الحقيقية للتنمية المستدامة.
من تصدير الموارد إلى تصدير “القيمة المضافة”

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الدول تتنافس على إنتاج أكبر كمية من المواد الخام. اليوم، أصبحت المنافسة تدور حول سؤال جوهري واحد: كم قيمة تضيفها قبل أن يصل المنتج إلى المستهلك؟
وهنا تكمن الفجوة التي ينبغي أن يعالجها السودان في مرحلة ما بعد الحرب:

القطن: ليس محصولاً زراعياً تقليدياً، بل بداية لصناعة النسيج، والملابس، والتصميم، والتسويق العالمي.
السمسم: ليس مجرد سلعة للتصدير الخام، بل أساس لصناعات غذائية، ودوائية، وتجميلية متقدمة.
الصمغ العربي: ليس مادة خام عابرة، بل مدخل استراتيجي لصناعات صيدلانية وكيميائية عالية القيمة.
الثروة الحيوانية: ليست رؤوس ماشية تساق إلى الحدود، بل صناعة متكاملة تبدأ بالأعلاف، وتمر بالطب البيطري، والمسالخ الحديثة، وسلاسل التبريد، والصناعات الجلدية والألبان، وتنتهي بعلامات تجارية تنافس في الأسواق العالمية.

إن كل مورد طبيعي في السودان يجب أن يُعاد النظر إليه باعتباره سلسلة قيمة لا مادة خام. وهذا هو الفارق الجذري بين الاقتصاد الريعي والاقتصاد المنتِج؛ فالأول يكتفي باستخراج الموارد وبيعها، بينما يحتفظ الثاني بأكبر قدر ممكن من القيمة داخل حدوده.

من اقتصاد المواسم إلى اقتصاد المنظومات الإنتاجية:

أثبتت تجارب الدول الصاعدة أن التحول الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الدولة من دعم الإنتاج الأولي إلى بناء الصناعات المرتبطة به وفق المعادلة التالية:
1. الزراعة: نقطة البداية.
2. الصناعة: مضاعِف القيمة.
3. الخدمات اللوجستية: مفتاح الأسواق.
4. التمويل: ضامن الاستدامة.
5. التحول الرقمي: رافع الكفاءة.
6. البحث العلمي: مانح القدرة التنافسية.

لذا، فإن أكبر تحول يحتاجه السودان هو الانتقال من “اقتصاد المواسم” إلى “اقتصاد المنظومات الإنتاجية”؛ اقتصاد لا ينتظر موسم الحصاد ليبدأ التفكير في التسويق، ولا ينتظر وفرة الإنتاج ليبحث عن التمويل، بل يبدأ من السوق، ويصمم الإنتاج وفق احتياجاته، ويبني حلقات سلسلة القيمة منذ اللحظة الأولى.

إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية:

يفرض هذا التحول إعادة ترتيب أولويات الدولة عبر بناء أقطاب تنموية متخصصة ترتبط بكل ميزة نسبية حقيقية:
-أقاليم تقود الصناعات الغذائية.
-أقاليم تقود الصناعات النسيجية.
-أقاليم تقود صناعات الثروة الحيوانية.
-أقاليم تتخصص في الصناعات التعدينية التحويلية.

بهذا النموذج، تتحول جغرافيا السودان إلى شبكة إنتاج متكاملة، مما يحد من الهجرة نحو العاصمة، ويخلق مراكز نمو إقليمية توزع فرص العمل والاستثمار بصورة عادلة وشاملة.

ثورة رأس المال البشري والبحث العلمي:

لن ينجح هذا النموذج دون ثورة حقيقية في التعليم والتدريب. فالإقتصاد المنتِج لا يحتاج إلى عمالة تقليدية، بل إلى مهارات متخصصة تشمل المهندسين الزراعيين، وخبراء التصنيع الغذائي، ومتخصصي اللوجستيات، والمبرمجين، وخبراء الجودة، ومصممي العلامات التجارية.

المصانع يمكن استيرادها.. أما العقول فتُبنى بالتعليم والتدريب والتجربة المستمرة.
تفعيل البحث العلمي: يجب أن يغادر رفوف الجامعات ليصبح جزءاً حيوياً من دورة الإنتاج، بحيث تتكامل الجامعة والمزرعة والمصنع والمصرف في منظومة عمل واحدة لا في جزر منفصلة.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة: هي النسيج الحيوي الذي يربط الإنتاج الأولي بالصناعة والتجارة والتصدير، لذا يجب أن تكون جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الوطنية للتمويل والتدريب.

دور الدولة التنموية:

في الاقتصاد الجديد، يجب أن تتغير نظرة الدولة إلى دورها؛ فليست مهمتها إدارة المصانع، وإنما بناء البيئة المؤسسية والتنظيمية التي تجعل قيام المصانع أكثر سهولة وربحية واستدامة. وليست مهمتها شراء المحاصيل، وإنما تنظيم الأسواق لتحقيق سعر عادل للمزارع، وجودة عالية للمستهلك، وعائداً مستقراً للمستثمر.

الدولة التنموية الحقيقية هي التي تنتج البيئة التي تجعل إنتاج السلع أكثر كفاءة.

خاتمة .. فرصة في قلب الأزمة:

لقد منحت الحرب السودان فرصة قاسية لكنها نادرة لإعادة تعريف معنى الثروة؛ فالثروة ليست ما يخرج من الأرض، بل ما يبقى داخل الاقتصاد من قيمة ومعرفة وفرص عمل.

إن الطريق إلى اقتصاد منتِج لا يبدأ من زيادة الإنتاج وحدها، بل من تعظيم القيمة المضافة. وعندها فقط، لن يكون السودان بلداً يعتمد على تصدير موارده الخام، بل دولة تصديرية رائدة تنافس بعقول أبنائها وقيمتها المضافة قبل مواردها الطبيعية. وهنا تبدأ النهضة الاقتصادية الحقيقية.

“المستقبل لا يُورث… بل يُبنى.”

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى