ما بين جبرة الشيخ وجبرة الخرطوم … أحلام حميدتي وتقلب صروف الزمان

د. الهيثم الكندي يوسف
أما جبرة الشيخ فهي المدينة التي تقع في ولاية شمال كردفان على طريق الصادرات (أم درمان – الأبيض)، والتي حررها الجيش مؤخراً بعد معارك بطولية فرت إثرها فلول المليشيا إلى أقصى غرب الولاية.
وأما جبرة الخرطوم فهو الحي السكني الذي يقع جنوبي الخرطوم بجوار معسكر المدرعات (وما أدراك ما المدرعات)، هذا الحي الذي كانت أسرة المليشي حميدتي (آل دقلو) يفضلونه للسكن فامتلكوا فيه مئات البيوت والعمارات السوامق، قبل أن تحدثهم نفسهم الأمارة بالسوء لترك هذا النعيم والتمرد على سلطة الدولة بغية اختطافها لصالح مشروعهم القبلي مدعوماً بأطماع الخارج الذي يريد السودان ذنباً، وأراد أبناؤه له أن يكون رأساً.. رأساً يتزين بتاج النصر والفخار.
أوهام العودة وسراب الخرطوم:
رأينا المليشي حميدتي وهو (يولول) من إثر الهزائم التي ألحقتها به جحافل أبطالنا في القوات المسلحة والقوات المتحالفة معها، وكيف أن ذلك قد ذهب بعقل الرجل حتى بات يحلم وهو مستيقظ، ويوعد مليشياته ويمنيها بدخول الخرطوم مرة أخرى، في محاولة فاشلة منه لرفع الروح المنهارة لقواته. أَمَا عَلِم هذا (المعتوه) أن الخرطوم ما عادت مثل ما كانت يوم طُرد منها يجر أذيال الخيبة والهزيمة؟! الخرطوم الآن بات يحرسها أبطال (ليوث وأسود) خبرت لقاءهم وذقت لظى نبالهم، فأنّى لك العودة!
لقد كنت في الخرطوم متنعماً ببهاء السلطة مغروراً ببريقها، مكتنزاً الذهب والأموال، تتزوج الحسان مثنى وثلاث ورباع، وتركب فاره الركاب من السيارات التي ما حلمت يوماً بها، ولكنها الغفلة التي جعلت جاهلاً مثلك يرتقي هذا المرتقى. من أجل ذلك رأى فيك الأجنبي فرصة طالما انتظرها لتمرير مشروعه، فاستغل جهلك وعدم معرفتك بحقيقة الأشياء. كما ظن بعض المراهقين السياسيين أنهم يمكن أن يمتطوا ظهرك لتحملهم إلى السلطة ولو كان ذلك على جماجم الأبرياء وخراب البلاد.
وما درى هو وكل أولئك أن صيرورة التاريخ كانت وعلى الدوام تحدثنا كيف كسرت الخرطوم المؤامرات من لدن الترك إلى الإنجليز، لتتحطم هذه المؤامرة كطبيعة الحال ويتفرق من سعى لها شذر مذر، وها هي اليوم تفعل ما جبلت عليه وتلقي بك في صحاري دارفور مختبئاً بين كهوفها وأوديتها.. فسبحان مقلب الزمان!
سقوط الرهان وانكشاف المخطط:
ولعل أكبر أوهام هذه المليشيا تمثلت في ظنها أن الشعوب تساق بالترهيب وتشترى بالمال الدنس، فنست أن للشعب السوداني كبرياء يرفض الدنية في دينه ووطنه. لقد حشدوا مرتزقة الآفاق وعاثوا في الأرض فساداً، فقتلوا من قتلوا، ونهبوا المستشفيات ودنسوا دور العبادة وشردوا العُزَّل من منازلهم، ظناً منهم أن هذا البطش سيكسر إرادة الأمة، فإذا به يعيد تلاحم الصف ويتفجر غضباً في وجه كل غاز ومأجور.
إن درس التاريخ يخبرنا بأن كل مشروع بني على الباطل والانتهازية مصيره المحتوم هو الزوال. فقد انفض من حول هذه المليشيا الكثير من حلفائها السياسيين الذين تواروا خجلاً وخيبة بعد أن أدركوا أن غطاء العمالة أعرى ما يكون، وأن الرهان على الأجنبي ومرتزقته ما هو إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
المعركة الفاصلة:
نقول للمليشي حميدتي: دعك من الخرطوم، بل اعمل جاداً وكن مستعداً للمعركة الفاصلة التي نراها قد اقتربت، فجندنا سيكفونك تعب الوصول إلى الخرطوم لأنهم سيصلونك في نيالا التي أردتها عاصمة لملك لا ينبغي لك، وأرادت أن تكون شامة في جيد الوطن لتنضم بإذن الله إلى باقي مدن السودان الوضيئة، ولتعلن فشل مشروعكم وانهياره إلى الأبد.
يجب أن ندرك إن النصر لا تشرق شمسه إلا بعد ظلمة، فها هو السودان يغسل عن جسده الطاهر أدران التمرد، ويعيد كتابة تاريخه بالدم والتضحيات لا بالمؤامرات والارتزاق. ستظل الخرطوم عصية، وستبقى كردفان ودارفور وكل شبر من أرض الوطن سودانية عزيزة خالية من الخونة والمرتزقة، وسيذكر التاريخ أن بغاة آل دقلو جاؤوا بأوهام الفتح، فارتدوا مدحورين تلاحقهم لعنة التاريخ والناس أجمعين.



