رأي

دولار الوارد… دولار الشعب

 

عادل الرفاعي أبوالحسن

المقصود بدولار الوارد هو الدولار الذي كانت تخصصه الدولة للمستوردين بالسعر الرسمي (الدولار المدعوم – دولار الشعب)، بهدف توفير السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج التي يحتاجها المواطن والاقتصاد. ولذلك فهو ليس موردًا خاصًا، وإنما مورد عام خُصص لتحقيق مصلحة المجتمع.

لقد قيل منذ بداية هذه الحرب إنها محنة، ولكن الشعوب الحية هي التي تعرف كيف تحول المحن إلى منح، وكيف تجعل من الأزمات بداية لمراجعة شاملة وإصلاح حقيقي. واليوم، وبعد كل هذه الدماء والدموع والخسائر، لا يجوز أن تعود البلاد إلى ما كانت عليه قبل الحرب وكأن شيئًا لم يحدث.

لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا؛ أرواحًا فقدناها، وجرحى ومفقودين، وأسرًا فقدت عائلها، وأصحاب إعاقات دائمة، وممتلكات عامة وخاصة دُمرت أو نُهبت أو أُحرقت. وبعد كل هذا الألم، تقع مسؤولية تاريخية على الدولة وكل من يتولى أمرًا عامًا بأن يرتقي إلى حجم هذه التضحيات، وأن يعمل على بناء سودان جديد يقوم على العدل والقانون والمؤسسات.

لكن بناء الدولة لا يبدأ بتأجيل الملفات أو الاكتفاء بتضميد الجراح، وإنما يبدأ بالمصارحة والمكاشفة وفتح كل القضايا العالقة. فالمشكلات التي لا تُعالج لا تختفي، بل تتراكم حتى تصبح أزمات أكبر.

ومن هنا يأتي ملف دولار الوارد… دولار الشعب كأحد أول الملفات التي يجب أن تُفتح.

فالسؤال المشروع هو: كيف أُدير هذا الملف خلال السنوات الماضية؟ هل تحقق الهدف الذي خُصص من أجله؟ هل استُخدم الدولار الذي وفرته الدولة في الغرض المحدد له؟ وهل انعكس أثره على المواطن في صورة سلع وأسعار تتناسب مع الغاية التي من أجلها تم تخصيص هذا المورد العام؟

إن الشعور بالغبن تجاه هذا الملف لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بثلاثة عوامل رئيسية: طول الفترة الزمنية التي استفادت خلالها جهات محدودة من هذا المورد، وضخامة الموارد المرتبطة به، وتركيز الاستفادة في أيدٍ قليلة، بينما كان المواطن يتحمل أعباء الأزمات الاقتصادية وتراجع مستوى المعيشة.

ومع مرور السنوات، ظهرت لدى بعض المستفيدين إمكانات وثروات كبيرة (وفق ما يثار من تساؤلات مجتمعية)، تمثلت في توسع استثماري وامتلاك أصول ومصانع وأراضٍ وأموال، وامتدادات داخل السودان وخارجه. وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة هذا الملف لمعرفة كيف تمت هذه التحولات، ومدى ارتباطها بالفرص التي أتاحها دولار الشعب، وهل كانت متناسبة مع النشاط والعوائد الاقتصادية الحقيقية.

إن فتح هذا الملف لا يعني اتهام أحد أو تصفية حسابات، وإنما يعني الوصول إلى الحقيقة. فمن حق الشعب أن يعرف كيف أُدير مورد من موارده، ومن واجب الدولة أن تراجع وتحاسب وفق القانون كل من يثبت تجاوزه أو تقصيره.

كما يجب أن تُراجع حصيلة الصادر باعتبارها المصدر الأساسي للنقد الأجنبي، وأن تُدرس طريقة إدارتها، ومدى فاعلية الرقابة عليها، وأوجه القصور التي تحتاج إلى إصلاح.

ولكن يجب أن يكون واضحًا أن دولار الوارد هو نموذج وليس القضية الوحيدة. فهذه المراجعة يجب أن تمتد إلى كل قطاعات الدولة دون استثناء؛ كل الملفات يجب أن توضع فوق الطاولة، وكل السياسات يجب أن تخضع للتقييم، وكل مظلمة يجب أن تجد طريقها للعدالة.

وهذه المرحلة تحتاج إلى استراتيجية وطنية جديدة، لا إلى حلول جزئية أو مؤقتة. استراتيجية تقوم على سياسات واضحة، وقوانين فاعلة، وآليات رقابة ومتابعة، وتقوية المؤسسات، وتأهيل الكوادر، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأولى خطوات الإصلاح أن تبدأ الحكومة بنفسها؛ بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تُعد المسرح الوطني للمرحلة القادمة، بوضع الاستراتيجيات والسياسات التفصيلية والقوانين والآليات التي تضمن حسن إدارة الدولة ومواردها.

فالحكومات القوية التي تعرف دورها تجاه مواطنيها ودولتها لا تختزل مسؤوليتها في جانب واحد. فكما أن للدولة يدًا تحمل السلاح لحماية الوطن، يجب أن تكون لها يد أخرى تقود الإصلاح، ويد تبني التنمية، ويد تؤسس للمؤسسات. فالحرب لا تعني توقف بناء الدولة، بل قد تكون سببًا لتسريع الإصلاح إذا توفرت الإرادة.

كما أن هذه المرحلة تحتاج إلى توسيع دائرة المشاركة، وعدم إقصاء أي وطني قادر على الإسهام، والاستماع لصوت الشعب وتطلعاته. فالأوطان لا تُبنى بالمحاصصات أو الالتفافات أو الحلول الوقتية، وإنما بمشروع وطني جامع.

إن فتح هذه الملفات لا يمثل فقط خطوة في طريق الإصلاح الاقتصادي، بل هو أيضًا أحد أبواب المصالحة الوطنية الحقيقية. فالمصالحة لا تُبنى على النسيان أو تجاوز المظالم، وإنما على الصدق والشفافية، ومعرفة الحقائق، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.

فعندما يشعر الناس بأن مواردهم تُدار بعدالة، وأن القانون يُطبق على الجميع، وأن الدولة تستمع لمواطنيها، فإن ذلك يفتح الطريق أمام التعايش السلمي، ويمنع تراكم الإحساس بالغبن الذي قد يقود إلى أزمات جديدة.

ويبقى السؤال الأكبر الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه: لماذا نظل دائمًا في البدايات؟ لماذا يبدأ كل جيل من الصفر؟ ولماذا لا نبني على ما أنجزه من سبقنا؟

لقد فقد السودان عبر عقود طويلة جزءًا كبيرًا من تراكمه المؤسسي والمعرفي، بينما بنت شعوب أخرى على تجاربها، وطورت ما لديها، وحافظت على مكتسباتها. أما نحن فكثيرًا ما نعود إلى نقطة البداية ونكرر الأخطاء نفسها.

ولهذا يجب أن تكون هذه الحرب نقطة تحول حقيقية. ففتح الملفات ليس هدفه الانتقام، وإنما بناء دولة تعرف الحقيقة، وتصحح الأخطاء، وتحمي مواردها، وتمنع تكرار ما حدث.

فالطريق واضح، والتجارب موجودة، والحلول معروفة. وقد استطاعت شعوب كثيرة بعد نزاعات دامية أن تتصالح، وتتسامى، وتبني من جديد. وما يحتاجه السودان اليوم هو الإرادة الصادقة لتحويل هذه المحنة إلى منحة.

والبداية تكون من السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:

أين ذهب دولار الوارد… دولار الشعب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى