النصر العسكري في الميدان .. ورهق المعيشة في الواقع

د. الهيثم الكندي يوسف
إن عدم انعكاس الأثر الإيجابي للانتصارات العسكرية علي الواقع المعيشي للسودانيين، إنما ينبئ عن أزمة عميقة ومعقدة تتعلق بطريقة إدارة الدولة في أوقات الأزمات. فالمشهد اليوم يحمل مفارقة مؤلمة، فبينما تقدم القوات المسلحة والقوات المساندة تضحيات انعكست كنجاحات ميدانية تفتح الطريق نحو متبقي إقليم كردفان ودارفور، يظل المواطن يشكو من تدهور الخدمات والأوبئة، وانعدام فرص العمل والغلاء الطاحن.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لا يلمس المواطن هذا التقدم في حياته المعيشية؟
أعتقد أن هناك جملة من الأسباب المتداخلة التي أدت لصنع هذه الفجوة يمكن تلخيصها في الآتي:
– سيادة (عقلية المعركة) على حساب الدولة:
إن الانشغال التام بالميدان جعل إدارة الملف الخدمي والاهتمام بمتطلبات المواطن واحتياجاته المدنية هامشياً، وكأن الدولة تدار كغرفة عمليات عسكرية فقط.
– ضعف وشلل الإدارة الحكومية:
حيث تعاني أجهزة الدولة من هشاشة إدارية، وغياب للرؤية الاستراتيجية التي تهدف إلى خلق الاستقرار الإقتصادي في ظل الحرب التي تعيشها البلاد.
-الديناميكيات السياسية:
بحسب مهتمين بهذا الشأن فإن وجود ممارسات أو كوادر محسوبة على الحقبة السياسية السابقة (مثل تغلغل عناصر تابعة لقحت أو غيرها في مفاصل التكنوقراط) فإن ذلك يسهم في عرقلة دولاب العمل الخدمي أو تشتيت الإرادة السياسية لتحقيق الاستقرار وبالتالي الرضاء المجتمعي.
– تدمير البنية التحتية:
بالتأكيد إن المعارك العسكرية قد أذرت بالشبكات الخدمية، وجاء موسم الأمطار ليعري سوء تصريف المياه وغياب خطط الطوارئ الصحية ليفاقم المشاكل الموجودة.
إن تهميش معركة الخدمات ومعاش الناس يهدد النصر العسكري بصورة مباشرة، فالنصر المستدام لا يتحقق بسيطرة الجغرافيا فقط، لكن يتم ذلك أيضاً بالإهتمام بمشاغل حاضنته الاجتماعية وتلبية احتياجاتها.
إن سخط المواطن واستمرار رهقه المعيشي، واضطراره لعدم العودة لبيوته بسبب غياب الماء والكهرباء والأمان الصحي، يشكل بيئة سياسية لطعن الجبهة الداخلية وتغذية الإحباط، مما قد يفرغ أي تقدم ميداني من مضمونه.
أما خارطة الطريق المطلوبة للخروج من هذه الدوامة، فإنه ينبغي الانتقال فوراً إلى نموذج إدارة أزمات متوازي وذلك بإتباع الآتي:
1.واجبات الحكومة (خطوات فورية التطبيق):
تأسيس (حكومة طوارئ وإعادة إعمار): حيث يجب إبعاد الملف الخدمي عن البيروقراطية، وإدارته بعقلية حاسمة توازي الحسم في الميدان.
تطهير وإصلاح الجهاز الإداري: وذلك بالكشف عن مكامن الخلل والتسييس في مفاصل الدولة، وتعيين كفاءات وطنية مستعدة للعمل الميداني بعيداً عن الاستقطابات السياسية.
أولويات البقاء: ينبغي التركيز الفوري على إزالة آثار الأمطار ومكافحة الأوبئة، وتأمين الحد الأدنى من الخدمات خاصة الكهرباء والماء لتسهيل العودة الآمنة للمواطنين.
2.دور المواطن والمجتمع المدني:
التكافل والجهد الشعبي: إذ أن تفعيل المبادرات المجتمعية لإعمار الأحياء وتطهير البيئة والمساهمة في عودة الخدمات، يؤدي إلى عدم التخلي عن الروح التي حافظت على تماسك المجتمع.
الرقابة الإيجابية: علينا التحول من الشكوى إلى ممارسة رقابة واعية تضغط على المحليات والولايات للمحاسبة دون المساس بالثوابت الوطنية.
إن النصر العسكري هو نصف الطريق، أما نصفه الآخر والضامن لبقائه فهو بناء دولة قابلة للحياة. إن لم تترجم الانتصارات في الجبهات إلى خدمات وفرص عمل وكفاية وعافية في المدن، فإن النصر الشامل سيظل ناقصاً. عليه فان تفعيل الادوار الحكومية والمجتمعية وتكاملهما قادر علي أن يحقق ذلك.



