الصكوك الخضراء ودورها في تمويل مشاريع التنمية المستدامة: تمويل قطاع الكهرباء المتجددة نموذجاً (تجربة الشركة السعودية للكهرباء) 3/3

د. أحمد عبد الباقي
تهتم المملكة العربية السعودية اهتماماً كبيراً بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ووضعت لذلك خططاً وطنية طموحة، على رأسها رؤية المملكة 2030م، ونظراً لاتساع هذا المضمار، فإننا سنقتصر على تجربة الشركة السعودية للكهرباء التي تطورت بصورة كبيرة عندما هيكلة الحكومة السعودية في عام 1998م قطاع الكهرباء فكان ميلاد الشركة السعودية للكهرباء في عام 2000م كشركة مساهمة سعودية عملاقة متخصصة في إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء في المملكة من خلال مجموعة متنوعة من محطات توليد الطاقة، لتكون بذلك أكبر شركة في مجال الطاقة الكهربائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا برأس مال بلغ (41,665,938,150) ريال سعودي.
حققت الشركة السعودية للكهرباء بعد تأسيسها إنجازاً هائلاً يواكب الرؤية الوطنية للمملكة وتطلعاتها، خاصة في مجال الطاقة المتجددة والمشاريع البيئية ومعالجة تغير المناخ بما يتماشى مع التزام السعودية باتفاقية باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة، مستفيدة في ذلك من وفرة الاستثمارات والتمويل الداخلي والخارجي الذي ساعد على التوسع في المشاريع الصديقة للبيئة، ففي أكتوبر من عام 2023م وقعت الشركة لإنشاء (5) مشاريع لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة بتكلفة (2.4) مليار دولار أمريكي وسعة 4,500 ميقاوات، منها (4) مشاريع للطاقة الشمسية الكهروضوئية ومشروع واحد لطاقة الرياح.
لمواكبة ذلك التطور، اهتمت الشركة كذلك برفع قدرتها التخزينية للكهرباء، هذا ووفقًا لقاعدة بيانات قطاع الكهرباء لدى “منصة الطاقة” المتخصصة (مقرّها واشنطن)، فإن السعودية اتجهت إلى رفع قدرتها التخزينية من نحو 8 قيقاوات/ساعة في 2025 إلى 22 قيقاوات/ساعة في 2026، ثم إلى 48 قيقاوات/ساعة متوقعة بحلول عام 2030م؛ وهو هدف طموح يجعلها ثالث أكبر سوق عالمية لتقنيات تخزين الطاقة بعد الصين والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك شكّل تخزين الكهرباء في السعودية أحد أهم أعمدة التحول الوطني في قطاع الطاقة؛ إذ تمضي المملكة بخطى متسارعة نحو بناء منظومة كهربائية مرنة ومتكاملة تدعم خططها لزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 50% من المزيج الوطني بحلول عام 2030م. وتعمل الشركة حاليًا على تطوير أكثر من 10 مواقع لتخزين الكهرباء في السعودية باستعمال البطاريات، بسعة تخزينية تفوق 30 قيقاوات/ساعة وذلك من خلال مشروعات ضخمة و بمراحل تطوير مختلفة، موزعة في مختلف مناطق المملكة كما أن هذه المواقع شُغّلت ورُبطت بالشبكة”.
تحققت تلك التطورات التي اضطلعت بها الشركة السعودية للكهرباء بفضل وفرة الموارد الاستثمارية في البلاد وتنوعها، ومع ذلك ابتدرت الشركة أيضاً الاستثمارات الخضراء، فأصدرت أول صكوك خضراء عامة في الأسواق الدولية في عام 2020م بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي، وهو أول إصدار لصكوك خضراء من المملكة في الأسواق، وأكبر إصدار صكوك خضراء من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وجّهت عوائد هذه الصكوك بالكامل لتمويل وإعادة تمويل المشاريع الخضراء في مجالات الكهرباء المؤهلة؛ للتقليل من الاعتماد على الوقود الأحفوري والحد من الانبعاثات الكربونية. وحسب ما ورد في موقع شركة السعودية للكهرباء : فقد نجحت الشركة في فبراير من عام 2025م في إصدار صكوك خضراء بقيمة 1.25 مليار دولار لمدة 10 سنوات بهامش ربح 5.489%، ويعد هذا الإصدار هو الرابع من نوعه وفقاً لإطار عمل الشركة الخاص بالصكوك الخضراء، التي استُخدمت متحصلاتها لتمويل أو إعادة تمويل محفظة مشاريعها في مجالات توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
ومنذ عام 2020م وحتى هذا الإصدار الأخير، بلغت إصدارات الشركة من الصكوك الخضراء (3.75) مليار دولار أمريكي، مما عزز من التزام الشركة للسعي لتقليل الانبعاثات الكربونية تماشياً مع أهدافها الاستراتيجية لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050م، ودعم التحول الوطني نحو الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وفقاً لرؤية المملكة 2030م وذلك بضخ المزيد من الاستثمارات في البني التحتية لشبكة الكهرباء، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تسريع مبادرات الرقمنة والأتمتة؛ مما يسهم في الاستمرار في تقديم خدمات كهربائية عالية الجودة وبموثوقية تلبي تطلعات العملاء.
مقاربة سودانية:
أرى أن هنالك فرصة ذهبية للسودان للاطلاع على تجربة الشركة السعودية للكهرباء والاستفادة منها بصفة عامة، والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بصفة خاصة على نحو يلائم ظروف السودان، وربما تكون الصكوك الخضراء أحد الحلول التي يلجأ إليها السودان لتوفير مصادر تمويل للاستثمارات في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وذلك عبر إنشاء شركة للأغراض الخاصة تطرح إصدار صكوك خضراء للجمهور بأكبر عدد من الأسهم، بحيث يساهم كل فرد سوداني -خاصة سودانيي المهجر- في هذا الاستثمار، فينالوا جميعاً شرف المساهمة في حل مشكلة الكهرباء باستثمارات إسلامية مثل عقود الإجارة والاستصناع والمضاربة والمشاركة، على أن يكون ذلك بضمان من بنك السودان المركزي، والاستفادة من أصول شركة السودان للكهرباء القابضة لدعم تلك الاستثمارات، وإمكانية استمرار تشجيع الدولة وبنك السودان المركزي لنشاط بعض البنوك (الخرطوم، أم درمان الوطني، البركة، وفيصل الإسلامي، وغيرها) الحالي لتمويل الطاقة الشمسية عبر صيغ “المقاولة” و”المرابحة” والمرونة في الدفع المقدم، ولتعزيز ذلك النشاط، يمكن أيضاً إنشاء محفظة تمويل خاصة للكهرباء مع منح بعض الحوافز والتسهيلات للمشاركين من الشركات في هذا البرنامج للاستثمار الأخضر في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية التي لها ميزات مثل سرعة إنشاء محطاتها واعتمادها على اللامركزية في الإنتاج والتوزيع مما يسرع في حل ضائقة الكهرباء ولو جزئيا.
إمكانية الربط الشبكي للكهرباء بين السودان والسعودية؛
يُعد الربط الكهربائي بين الدول من العوامل الأساسية لتعزيز أمن الطاقة ودعم التحول نحو الطاقة المتجددة، وتحقيق فوائد اقتصادية وأهمية استراتيجية؛ أهمها -كما أشارت إليها وكالة الطاقة الدولية و”معهد الموارد العالمية” ومنصة “Science Direct”- : تعزيز أمن الطاقة واستقرار الشبكات، وتحقيق مكاسب اقتصادية وتقليل التكاليف، ودعم التكامل الإقليمي وتعزيز التعاون، وتمكين الطاقة المتجددة وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتقليل الحاجة إلى تخزين الطاقة، وتأسيساً على ذلك، انتظمت العالم عدة مشاريع للربط الشبكي، منها عشرة مشاريع في المنطقة العربية؛ وعلى وجه الخصوص الربط الشبكي بين مصر والسعودية الذي يبلغ طوله نحو 1350 كيلو متر (بما في ذلك كابل بحري بطول 22 كيلومتر أو ما يعرف بـ ٍStock Shutters)، وبسعة ثلاثة آلاف ميقاوات وتكلفة 1.8 مليار دولار أمريكي.
يمكن للسودان أن يتفاوض مع السعودية حول إمكانية ربط كهربائي عبر البحر الأحمر، خاصة وأن للسودان اتفاقاً مع السعودية منذ عام 1974م لاستكشاف الثروات المعدنية في المنطقة المشتركة بقاع البحر الأحمر، وفي عام 2012 وُقّع اتفاق مشروع “أطلانتس 2″، لكنه جُمّد لعدم توفر التقنيات الحديثة للتنقيب حينها، ثم جُدّدت الاتفاقية في عام 2020م ولكنها توقفت أيضاً، أرى أن هنالك ثمة ضرورة ملحة بحيث يمكن التحدث مع المملكة العربية السعودية حول الربط الكهربائي الشبكي عبر البحر الأحمر، خاصة أن للمملكة اتفاقيات مباشرة مع مصر (كما ذُكر آنفاً) والأردن للربط الكهربائي.



