قصور أدوات البنوك وابتكار المنتجات … نحو حلول واستراتيجيات مصرفية جاذبة

دكتور محمد عوض محمد متولي **
إذا كنا في المقال الأول وضعنا اليد على موضع الداء بتشخيص ظاهرة الاكتناز واستفحال جغرافية الاقتصاد الموازي وتآكل الثقة، فإن الوقوف عند حدود التشخيص وحده لا يكفي لبناء استراتيجية اقتصادية ناجعة؛ إذ تتجه الأصابع مباشرة نحو الجهاز المصرفي والمؤسسات التمويلية للبحث عن الإجابة الحاسمة: لماذا فشلت البنوك الوطنية السودانية حتى الآن في استقطاب هذه الكتلة النقدية الهائلة المكتنزة خارج النظام الرسمي؟ ولماذا تحولت معظم المصارف السودانية في الذهنية المجتمعية والتجارية من “محركات تنموية وشرايين استثمار” إلى مجرد خزائن تقليدية شاحبة ومواقع لتقاضي الرسوم وإدارة المديونيات المعقدة؟
إن الجواب المكشوف يكمن في جمود الأدوات المصرفية التقليدية وانفصالها الملموس عن الواقع الاقتصادي والسلوكي لجمهور المتعاملين. لقد ظلت معظم البنوك تعتمد لمقاربتها التشغيلية على صيغ نمطية ومنتجات ادخارية متكلسة تقف عاجزة كلياً عن إغراء صاحب المال – سواء كان مدخراً صغيراً يسعى لحفظ قيمة شقا العمر، أو مستثمراً ورجل أعمال يمتلك سيولة ضخمة يبحث لها عن مرونة الحركة والعائد المجزي. وفي ظل معدلات التضخم المرتفعة وانخفاض القوة الشرائية، تصبح الحسابات الاستثمارية أو الادخارية الروتينية التي تقدم عوائد رمزية أو مقيدة بالشروط الإدارية الصارمة بمثابة “تجميد للثروة” وخسارة حتمية للمودع، مما يدفعه دفعاً فطرياً إلى التخلي عن التعامل البنكي والتحول نحو الملاذات العينية كالذهب والعملات الأجنبية والعقارات، أو إبقاء أمواله قريبة من يده في الخزائن المغلقة.
إن الانتقال من مرحلة العجز المصرفي إلى مرحلة “الاستقطاب النشط” يستدعي ثورة هيكلية في الهندسة المالية وابتكار المنتجات. لا يمكن للبنوك أن تجتذب المدخرات المكتنزة إلا إذا قدمت للمجتمع بدائل استثمارية وتجميعية تتفوق في أمانها وربحيتها وسلاستها على الاكتناز الفردي؛ وهنا يبرز مفهوم “المنتجات المصرفية الموجهة والمرنة”.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد فتح حسابات جارية أو ادخارية شاحبة، بل إطلاق صناديق استثمارية شعبية وتنموية متخصصة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقطاعات الحقيقية ذات الإنتاجية العالية والمضمونة، مثل قطاعات التعدين الأهلي والتجاري والذهب، وصناعة السلع الأساسية، والتنمية الزراعية والحيوانية، ومشاريع البنية التحتية والمرافق الذكية.
إن طرح “سندات استثمارية وتنموية” و”صناديق ادخار موجهة” ذات عوائد استثمارية دورية ومجزية، مصممة خصيصاً لتناسب صغار وكبار المكتنزين على حد سواء، من شأنه أن يمنح المواطن سبباً استراتيجياً يحفزه لنقل رؤوس أمواله من جدران المنازل إلى شرايين البنوك. فالمودع عندما يشعر بأنه يعيد تشغيل أمواله في مشروع زراعي أو تعديني ملموس يدر عليه أرباحاً دورية حقيقية تتجاوز معدل التضخم وتحميه من تآكل القوة الشرائية، سيتخلى تلقائياً عن المخاطرة بعرض أمواله للنهب أو الضياع في الخزائن المنزليّة.
إلى جانب ابتكار المنتجات، تبرز مسألة “المرونة والحرية المالية” كشرط هيكلي لا يقبل المساومة لإعادة بناء الجسور؛ فالمدخر أو التاجر الذي يحرمه البنك من حرية سحب أمواله أو الوصول إليها وقت الحاجة بسبب قيود السيولة أو السقوفات الفجائية، سيعتبر البنك “مصيدة لسيولته” لا ملجأً لها. ومن هنا، وجب على البنك المركزي والمصارف التجارية إعادة صياغة ضوابط السياسة النقدية بما يضمن أعلى درجات المرونة والأمان، وتطوير صيغ التمويل الإسلامي والمرابحة والمشاركة لتتحول من أطر روتينية معقدة ترهق كاهل طالب التمويل بالمديونيات والإجراءات البيروقراطية، إلى شراكات استثمارية حقيقية تتسم بالسرعة والشفافية والعدالة في توزيع المخاطر والعوائد.
إن البنوك السودانية مطالبة اليوم بالتخلي عن لعب دور “المتفرج المشتكي” من مديونيات السوق، لتتحول إلى صانع ديناميكي للحلول، عبر تقديم حوافز تشجيعية، ومزايا تفضيلية للتجار والمودعين، وتوفير بيئة مصرفية تحترم وقت العميل وتصون كرامته المالية.
غير أن هذا الابتكار المصرفي وإعادة إحياء الأدوات الاستثمارية سينظلان قاصرين ومحدودي الأثر ما لم يستندا إلى بنية تكنولوجية متطورة، وأتمتة شاملة للنظام المالي للدولة تعيد ربط المعاملات اليومية والإيرادات السيادية بالشريان الإلكتروني الآمن، وتغلق منافذ الفساد والتعامل النقدي المباشر؛ وهو ما ينقلنا مباشرة إلى جوهر الحل الإستراتيجي ودور أجهزة التحول الرقمي والدولة في أتمتة الاقتصاد، وهو الموضوع المحوري الذي سنستوفيه بالتحليل الشامل في المقال الثالث والأخير من هذه السلسلة.
** محلل أكاديمي وخبير اقتصادي مشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات



