رأي

السودان من الحوار السياسي إلى الحوار الاستراتيجي

أحمد التجاني الشايب

يمر السودان في مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، لم تعد فيها الأزمة الوطنية قابلة للمعالجة من خلال الأدوات السياسية التقليدية وحدها. فقد كشفت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 عن عمق الاختلالات التي تراكمت في بنية الدولة والمجتمع والنظام السياسي، وأظهرت أن النزاع لم يعد مجرد صراع على السلطة بين قوى سياسية أو عسكرية، وإنما أصبح أزمة مركبة تتداخل فيها قضايا الدولة والجيش والهوية والموارد والعلاقات الاجتماعية والتدخلات الإقليمية والدولية ومستقبل الوحدة الوطنية. ومن ثم، فإن الانتقال من الحوار السياسي إلى الحوار الاستراتيجي لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة وطنية لإعادة تعريف المشكلة السودانية والبحث عن مسارات مستدامة للخروج منها.

لقد انشغل السودان، منذ الاستقلال، بدورات متكررة من الحوار السياسي، غالبًا ما كانت تنعقد استجابة لأزمة آنية أو لتسوية نزاع قائم بين القوى السياسية. وعلى أهمية هذه الحوارات، فإنها ظلت في كثير من الأحيان أسيرة سؤال: من يحكم؟ أكثر من انشغالها بالسؤال الأعمق: كيف يُحكم السودان؟ وأي دولة نريد أن نبني؟ ولذلك تكررت الاتفاقات والتسويات دون أن تنجح في معالجة جذور الأزمة البنيوية، وظلت الدولة السودانية عرضة لدورات الانقلاب والحرب والانتقال الهش.

الحوار السياسي، بطبيعته، يهتم بتوزيع السلطة، وترتيبات المرحلة الانتقالية، والمشاركة السياسية، وتحديد مواقع القوى المختلفة في مؤسسات الحكم. أما الحوار الاستراتيجي فيتجاوز ذلك إلى بناء تصور مشترك للمصالح الوطنية العليا، وطبيعة الدولة، ونظام الحكم، والعلاقة بين المدني والعسكري، وإدارة التنوع، والتنمية المتوازنة، والأمن القومي، والعلاقات الخارجية، وإعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة. وبذلك يصبح السؤال المركزي للحوار الاستراتيجي: ما المشروع الوطني الذي يمكن أن يجتمع حوله السودانيون، رغم اختلافاتهم السياسية والفكرية؟

ولا يعني الانتقال إلى الحوار الاستراتيجي تجاوز الحوار السياسي أو إلغاؤه؛ فالسياسة تظل إحدى أدوات إدارة المجتمع والدولة. وإنما المقصود هو وضع الحوار السياسي داخل إطار وطني أوسع، بحيث لا تتحول المنافسة على السلطة إلى غاية في ذاتها، ولا تصبح التسويات السياسية مجرد هدنة مؤقتة بين النخب. فالسلام المستدام يحتاج إلى توافق حول قواعد الدولة ومؤسساتها، كما أن الديمقراطية لا يمكن أن تستقر من دون دولة وطنية قادرة على حماية الدستور والقانون، واحتكار الاستخدام المشروع للقوة، وتحقيق العدالة وتوفير الخدمات الأساسية.

ومن أهم القضايا التي ينبغي أن يتناولها الحوار الاستراتيجي إعادة تأسيس الدولة السودانية. فالأزمة الراهنة لا ترتبط فقط بضعف الحكومات، وإنما بضعف المؤسسات الوطنية وتسييسها وتداخل الأدوار بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية والمجتمعية. ولذلك فإن إعادة بناء الدولة تقتضي الاتفاق على دولة المواطنة والقانون، وعلى مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية تخضع للسلطة الدستورية، وعلى نظام سياسي ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة، وعلى نظام اتحادي أو لامركزي يحقق عدالة أكبر في توزيع السلطة والثروة والفرص والمسؤولية.

كما ينبغي أن يضع الحوار الاستراتيجي مسألة الحرب والسلام في إطار مختلف. فوقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، لكنه لا يمثل وحده حلًا للأزمة. المطلوب هو معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة، ومنع إعادة إنتاجها في المستقبل. وهذا يتطلب بناء ترتيبات أمنية واضحة، وإعادة هيكلة مؤسسات القوة، ومعالجة قضايا العدالة والمحاسبة والمصالحة، وإعادة دمج المتضررين والنازحين واللاجئين في عملية بناء الدولة، بحيث يصبح السلام مشروعًا لإعادة بناء المجتمع وليس مجرد اتفاق بين أطراف مسلحة.

ويكتسب العامل الخارجي أهمية خاصة في الحوار الاستراتيجي؛ إذ أصبح السودان جزءًا من شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بموقعه الجغرافي وثرواته وموارده وممراته البحرية وحدوده المتعددة. غير أن التعامل مع الخارج ينبغي ألا يقوم على العزلة ولا على الارتهان، وإنما على سياسة خارجية سودانية مستقلة وواقعية تقوم على تحقيق المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات، ومنع تحويل السودان إلى ساحة للصراع بالوكالة.
كذلك لا يمكن فصل الاستقرار السياسي عن المشروع الاقتصادي والاجتماعي. فالدولة التي تعجز عن توفير فرص العمل والخدمات والتنمية المتوازنة تظل بيئة قابلة لإعادة إنتاج الصراع. ومن هنا ينبغي أن يتناول الحوار الاستراتيجي قضايا الإنتاج الزراعي والصناعي، وإدارة الموارد، وإعادة الإعمار، وإصلاح الخدمة المدنية، ومحاربة الفساد، وتطوير التعليم والصحة، وإعادة توزيع فرص التنمية بين المركز والأقاليم.

إن الحوار الاستراتيجي المطلوب ليس مؤتمرًا سياسيًا آخر، ولا منصة لتقاسم السلطة، وإنما عملية تأسيس وطني طويلة المدى تشارك فيها القوى السياسية والمجتمعية والمدنية والأهلية والشباب والمرأة والمختصون، مع تمثيل حقيقي للأقاليم والمكونات السودانية المختلفة. وينبغي أن ينتهي هذا الحوار إلى وثيقة وطنية مرجعية تحدد المبادئ الأساسية للدولة السودانية، والأهداف الاستراتيجية، وأولويات المرحلة الانتقالية وما بعدها، وآليات تنفيذها ومراجعتها.

والخلاصة أن السودان يحتاج اليوم إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن سؤال السلطة إلى سؤال الدولة، ومن التسويات المؤقتة إلى التوافقات الاستراتيجية. فالحوار السياسي يمكن أن ينهي أزمة حكومة، أما الحوار الاستراتيجي فينبغي أن يستهدف إنهاء أزمة الدولة. وإذا كان الحوار السياسي يبحث عن صيغة يتعايش فيها المتنافسون، فإن الحوار الاستراتيجي يبحث عن مشروع يجعل التعايش نفسه ممكنًا ومستدامًا.

وعليه، فإن الانتقال من الحوار السياسي إلى الحوار الاستراتيجي يمثل فرصة لإعادة صياغة العقد الوطني السوداني على أسس جديدة: دولة المواطنة، وسيادة القانون، والديمقراطية الدستورية، والعدالة، والتنمية المتوازنة، والمهنية المؤسسية للقوات النظامية، والاستقلال في القرار الوطني. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء الحرب، وإنما إلى بناء نظام وطني يمنع تكرارها. وهذه هي الوظيفة التاريخية التي ينبغي أن يضطلع بها الحوار الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى