رأي

العـودة إلـى القصـر

 

د. سلوى حسن صديق

العودة إلى القصر الجمهوري أمس، وممارسة أعمال السيادة فيه تشبه في رمزيتها العودة إلى سنار التي حكاها شعراً المبدع محمد عبد الحي ، ذات الحكاوي ورائحة التاريخ والبطولات التي تنفسها الناس قديماً تعود اليوم ممثلة في ممارسة أعمال السيادة من القصر الجمهوري وسط الخرطوم .

للسودانيين إرتباط عميق بالقصر الجمهوري، و سبحان الله لسنا مثل كثير من الدول لنا أكثر من قصر وإنما هو قصر واحد ولكنه عندنا رمز العزة منذ مقتل غردون .. موقعه أعطاه بعداً جغرافياً وتاريخياً كأنه لوحة، قربه من المقرن وجزيرة توتي الخلابة بتاريخها وسيف الأرباب الشهير، كل هذا وغيره من المشاهد الحية يرمقها إنسان السودان جيئة وذهاباً بنظرة عابرة عند مروره بشارع النيل قبالة القصر فيستغرقه التأمل ويقول في نفسه أي مجد تليد يحتضنه هذا المكان وأي ماض عريق يستلهمه الإنسان.

أذكر في طفولة ابنائنا الباكرة كنا نحرص على يوم تغيير الحرس الجمهوري والذي يتم في صباح الجمعة من كل شهر فنتنادى للحدث الوطني و لنجد غيرنا قد اصطف لمشاهدة البرتوكول اللطيف والموحي ثم يتبادل الصغار أحاديث متقطعة مع أفراد الحرس بذات المحبة والتقدير كأنهم يبادلونهم أسرار عباراتهم السيادية ويعطونهم مفاتيح الوطن.
كنا نفعل ذلك و نعتبرها حصة في التربية الوطنية المجانية كأننا كنا نتحسب ليوم سنفتقد فيه نحن وأبناؤنا القصر بجمال طلته ونجائله الخضراء وزهوره التي تعجب الزراع مع الهالة والحرس.

عودة (الريس) للقصر بذات البروتوكولات السيادية وإظهار القوة والشجاعة هي لحظة فارقة في تاريخ السودان ، لحظة كان يجب أن تصطف فيها إلي جانب مواتر الحرس كاميرات كل القنوات العالمية و المحلية تتقدمها القناة القومية لتحكي للناس والتاريخ عمن صنع هذه العودة، عن الشجاعة والبسالة التي تحدت المسيرات يوم عودة القصر، عن الضباط و الاعلاميين الشجعان الذين لحقوا بركب الشهداء، عن فاروق الزاهر ومجدي الذي تطايرت كاميرته أجزاء مثل جسده الطاهر.

القصر الذي دنسه الأوغاد يوماً ما قبل الحرب وبعدها عاد اليوم هدية السماء لأهل السودان عنوة وإقتدارا .. رجالة وبسالة كأعز ما يكون النصر متوجاً يستقبل فيه قادته السفراء والبعثات الدبلوماسية في أنفة وكبرياء بعد أعوام الشتات.

هي لحظات ولكنها بعمر الأحداث سنين ، إنتصر فيها الحق على الباطل فحق لنا أن نباهي بها ونفتخر..
أدام الله عزك يا بلادي و أكمل نصرك وحفظ جيشك وشعبك الصابر الصامد المجاهد وتقبل شهداءك في عليين مع النبيين و الصديقيين وحسن أولئك رفيقاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى