ثقافية

الذاكرة السودانية: هجـرة الفـرح فـي زمـن مختـار دفـع اللـه

 

محمد الشيخ حسين

 

لكل سوداني أغنية تنام في ذاكرته يحفظ مقاطع ترديدها عن ظهر قلب. أنها دمعته ووسامه ومرجعه وحرقته.

(1)
عبر هذه الأغنية يتصل اهل السودان بالنغم ومواسم الفرح، عبرها يتصلون ببعض الفن، أنها الذاكرة المنحازة تحفظ أغنية وتدفع بأخرى إلى غياهب النسيان.

(2)
هذا النوع من الذاكرة يبدو لي أنه حقل مازال خصبا للتأمل في الحياة السودانية منذ أن صدح الحاج محمد أحمد سرور في زواج بشير الشيخ في عشرينيات القرن (أبكي وانوح وأصيح لي الشوفتن بتريح).

(3)
المهم سارت قافلة الأغنية السودانية تنام وتستيقظ معنا، بل أصبحت بوصلتنا الفعلية وكتابنا المفتوح في قراءة البلاد وأحوالها والعلاقات بالآخر المقيم فيها. إنها مصدر الطمأنينة والقلق، مفتاح المشاعر والابتهاجات والثأرات.

(4)
تأتي حقبة سبعينيات القرن الماضي بمسارات جديدة في طريق النغم، فهذا يحفظ عن ظهر قلب (قلت أرحل) لمحمد وردي والتجاني سعيد، بالمناسبة في أغنية قلت أرحل رحل وردي بالأغنية السودانية إلى مقامات جديدة، أرجو أن نعود إليها يوما ما. وذاك تطربه (زاد الشجون) لمحمد الأمين مع فضل الله محمد. وثالث يذوب في ثلاثية عبد الكريم الكابلي (تاني ريدة)، والأغنية من كلمات وألحان وغناء الكابلي.

(5)
في أجواء هذه القمم ظهر الشاعر الغنائي المعروف مختار دفع الله كأمدرماني (غلبان)، لكن دواخله لا تمتلئ بزهو الأمدرمانيين وحبهم للتفاصيل، لأن ولادته ونشأته الأولى في ود بندة في بيادر شمال كردفان قد غذته بأصدق الغناء وأعذبه، ذلك أن أعذب الغناء وأصدقه في السودان حسب الأستاذ عبد الكريم الكابلي (ما تغني به أهلنا الكبابيش والحمر والمجانين والمسيرية).

 

(6)
يبدو أن الفرح في حياة مختار دفع الله حالة مستمرة من المعاناة، لذلك صدر ديوانه الثاني بعنوان (الفرح المهاجر)، فديوانه الأول قبل أكثر من ثلاثين عاما (أنا يا بلد).
صمم غلاف ديوان (الفرح المهاجر) الفنان الجميل عادل كبيدة ويتكون من 112 صفحة من القطع الصغير يحتوي على 46 قصيدة كتبت خلال فترة طويلة تمتد لأكثر من 40 عاما. والسمت العام للقصائد التي كتبت باللغه المحكية السودانية بين الوجدانيات والإخوانيات والغناء للوطن الذي يتوج بقصيدته الشهيرة (أنا يابلد). على أن الأهم في الديوان هو استهلال كتبه أمير شعراء الأغنية السودانية الراحل إسماعيل حسن في العام 1977.

(7)
إذا أحس القارئ بأي إعجاب في الأسطر اللاحقة فهذا الإعجاب لا نخفيه، فقد جلست على مصطبة الدراسة الجامعية مع مختار دفع الله، فقد كان أكبرنا سنا وأكثرنا علما وأقدرنا خبرة على التعامل مع الحياة والناس، بل هو الذي قادنا دون أن ندري إلى دهاليز الشعر الغنائي السوداني وحناجر الغناء السوداني، وذلك هو زمن مختار دفع الله صاحب الفرح المهاجر.

(8)
كان مبعث الاسطر السابقة مشهد في فيديو قصير لاحتفال في امدرمان يعلن فيه مختار دفع الله عودة ليالي الفن والثقافة في حياتنا. ويلفت نظرك في الفيديو الحضور القوي والبهي للاستاذ أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم الذي يحتاج إلى وقفة توثق لجهده وجهاده في زمن الحرب ونهديه مؤقتا فرح مختار دفع الله المهاجر.
يا رزينة ..
وصي عينيك الحنينة ..
ترسم الفرح المهاجر في عيون كل المدينة ..
سيبي احزانك تعالي …
نحضن القمر البلالي.. فوق نجيمات الليالي ..
نحكي للاطفال حكاوي ..نهدي للناس الغناوي ..
في الصباحات والاصايل .. للرياحين والخمايل..
يا رزينة
للرياح الهابة نحكي.. وللنسيمة..
للغيوم نهدي التحايا.. غيمة.. غيمة ..
وللقمر طل في جبينك .. وللنجيمة..
العيون كيفنها؟ خلي بالك منها..
الحزن فارقنا أمسو … والنسيم يطربنا همسو
والصباح الطل جانا.. فوق جيبنك شارق شمسو ..
يا رزينة.. وصي عينيك الحنينية
ترسم الفرح المهاجر …. في عيون كل المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى