رأي

التحولات في السياسة الأمريكية وانعكاساتها على نماذج الحكم والصراع القيمي – قراءة في نتائج الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ

رمضان أحمد

تشهد الساحة السياسية الأمريكية في مرحلتها الانتخابية التمهيدية لمجلس الشيوخ تحولاتٍ لافتة، تمثّلت في بروز تيار تقدمي داخل الحزب الديمقراطي، يتصدّر نتائج الصناديق، على نحو يعكس تحولاً في المزاج السياسي للناخب الأمريكي. ويُعدّ الخط السياسي لعمدة نيويورك، زهران ممداني، المعروف بمواقفه الناقدة لإسرائيل والمتعاطفة مع الحقوق الفلسطينية، مؤشراً على هذا التحول. وتكتسب هذه التطورات دلالة استثنائية، بالنظر إلى موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وما يمكن أن تُحدِثه هذه المتغيرات من تداعيات على صعيد السياسات الداخلية والخارجية.

يتناول هذا المقال استخلاص مجموعة من الدروس المستفادة من المشهد السياسي الأمريكي الراهن، موجهةً بالخصوص إلى المجتمعات التي تعاني من أنظمة سياسية قمعية، أو صراعات قبلية، أو تمييز عرقي، مع تحليل ما قد تعنيه هذه التحولات للعالم.

أولاً: الديمقراطية كآلية للتصحيح الذاتي:

تُعرَّف الديمقراطية، في جوهرها، بأنها نظام حكم يقوم على إرادة الشعب ومشاركته الفعلية في صنع القرار. بيد أن التجربة الأمريكية أظهرت، لعقود، هيمنة ملحوظة للنخب المالية على العملية السياسية، تجلّت في تأثير جماعات الضغط، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (إيباك AIPAC)، التي تأسست عام 1954، واستمر تأثيرها سبعة عقود، مما جعل السياسة الخارجية الأمريكية تبدو منحازة بشكل غير متناسب مع المصالح الوطنية المُعلنة، بل ومتعارضة مع القيم الحقوقية التي تتبناها الولايات المتحدة في خطابها الرسمي. وقد اقترنت هذه السياسات بدعم أنظمة استبدادية، وتجاوز للمواثيق الدولية، في إطار تماهٍ مع المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.

لكن ما طرأ حديثاً هو تغير في سلوك الناخب الأمريكي، لم يعد مقتصراً على الشأن الداخلي، بل امتد ليشمل تقييم السياسة الخارجية، خاصة بعد تداعيات الحرب على إيران وانعكاساتها على الأوضاع المعيشية. وجاء فوز المرشح عبد الرحمن السيد على منافسه المدعوم بـ 70 مليون دولار من قبل إيباك، ليكون مثالاً على قدرة الصندوق الانتخابي على تجاوز النفوذ المالي، وإيذاناً بمرحلة قد تشهد تراجعاً في هيمنة جماعات الضغط. وهذا يُثبت أن الديمقراطية، وإن شابتها تشوهات، تظل قادرة على كشف الأخطاء وتصحيح مسارها، وأن سيطرة التيار التقدمي على مراكز القرار قد تعيد تشكيل هوية السياسة الأمريكية كما عُرفت خلال نصف القرن الماضي.

ثانياً: المصالح المشتركة كرابطة اجتماعية فاعلة:

أثبتت الانتخابات الأخيرة أن المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان، كالمجتمع الأمريكي، يمكن أن تتجاوز الانقسامات الهوياتية إذا ما وُجدت مصالح مشتركة جامعة. وقد تجلى ذلك في بروز شخصيات ذات خلفيات إسلامية، مثل إلهان عمر وعبد الرحمن السيد، في مواقع سياسية متقدمة، وهو ما يعكس تحولاً في الأولويات من الانتماءات الدينية والعرقية إلى البرامج السياسية القائمة على تحقيق العدالة الاجتماعية. وتمحورت برامج التقدميين حول قضايا جوهرية مثل: الرعاية الصحية المجانية، والتعليم، واستقلال العملية السياسية عن المال، ورفض إنفاق أموال دافعي الضرائب لدعم دولة تتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، في وقت يعاني فيه المواطن الأمريكي من تدهور مستوى المعيشة. وهذا الخطاب، الذي مثّل قطاعاً عريضاً من الناخبين، أسفر عن انتصار الإرادة الشعبية على الإرادة المالية، مما يعزز الفرضية القائلة بأن المصالح المادية المشتركة تمثل أرضية صلبة للتماسك المجتمعي، تفوق في تأثيرها الروابط العرقية أو الدينية.

ثالثاً: القيم المشتركة وثبات المرجعيات:

تمثّل القيم الإنسانية الكبرى كالنزاهة، والشفافية، والعدالة، والحرية، واحترام الحقوق، أُطراً معيارية تكتسب ثباتها عندما تستند إلى مرجعيات راسخة، سواء كانت دينية أو إنسانية. غير أن التجربة الأمريكية أظهرت أن هذه القيم قد تُنتقص عندما تتعارض مع المصالح الخاصة، كما حدث تحت تأثير الجماعات الضاغطة، التي أعادت تشكيل السياسة الأمريكية بما يتناقض مع مبادئها المعلنة. في المقابل، يتبنى التيار التقدمي، بقيادة شخصيات مسلمة كزهران ممداني وعبد الرحمن السيد، خطاباً قيمياً يستمد شرعيته من مرجعيات دينية وإنسانية معاً، مما يجعله قابلاً للتبني من قبل الناخب الأمريكي بغض النظر عن خلفيته. وهذه القيم، حين تكون ثابتة وغير مرهونة بمصالح الفئات الضيقة، يمكن أن تشكل أرضية مشتركة تتيح للسياسة أن تعكس إرادة المجتمع بدلاً من إرادة النخب.

رابعاً: الاستبداد السياسي وإهدار الموارد:

يُستخلص من النموذج الأمريكي للإصلاح أن الأنظمة الاستبدادية، أياً كان مظهرها، تؤدي إلى تبديد الطاقات والموارد، وتحول دون وصولها إلى مستحقيها من الشعوب. فالفقر المستشرى في أوساط واسعة من المجتمعات لا يعود بالضرورة إلى ندرة الموارد، بل إلى سوء توزيعها وهيمنة النخب على آليات الاستغلال. ويتجلى الإصلاح الحقيقي في جعل الحاكم ممثلاً فعلياً للإرادة الشعبية، مما يضمن توجيه الموارد وفقاً للأولويات الجماعية. والمثال العملي الذي يُساق في هذا السياق هو استجابة عمدة نيويورك السريعة لشكوى مواطن بشأن حفرة في الطريق، وهو ما يُجسّد مفهوم المساءلة الفورية والتمثيل الفعّال للإرادة الشعبية، ذلك أن الحاكم المنتخب من الشعب يكون ولاؤه لمن فوضوه، مما يفرض عليه وضع مصلحتهم في صدارة أجندته ومنع تبديد الموارد في استرضاء أصحاب المصالح على حساب الشعب.

خاتمة:
تُشير المؤشرات الأولية للانتخابات التمهيدية الأمريكية إلى احتمال نشوء مرحلة جديدة في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، قد تعيد تعريف دورها العالمي. فإذا ما استقرت الإرادة الشعبية كمرتكز للقرار السياسي، فإن الولايات المتحدة قد تستعيد نفوذها الدولي، ليس عبر القوة العسكرية أو الهيمنة الأحادية، بل من خلال استعادة الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة، بما يفتح الباب أمام نماذج حكم أكثر عدالة واستجابة لتطلعات الشعوب، سواء في الداخل الأمريكي أو في نطاق العلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى