رأي

الولاية الشمالية … نحو نهضة بستانية مستدامة لتشغيل الشباب وصناعة الصادر

طارق الكندي يوسف **

 

تمتلك الولاية الشمالية مقومات زراعية واقتصادية وبشرية تؤهلها لأن تصبح واحدة من أهم مناطق الإنتاج البستاني في السودان والمنطقة، بما تملكه من أراضٍ زراعية تمتد على مسافة تقارب 650 كيلومتراً على امتداد نهر النيل من الجنوب إلى الشمال ، إلى جانب ما تزخر به من موارد مائية جوفية، وقوة عاملة كبيرة يمكن أن تتحول ، إذا وجدت التدريب والتمويل والفرص ، إلى قوة إنتاج حقيقية تقود نهضة اقتصادية واسعة .

لكن امتلاك الموارد وحده لا يصنع التنمية ، فالمطلوب هو الرؤية الواضحة والإرادة الجادة والانتقال من الحديث عن الإمكانات إلى تنفيذ المشروعات على الأرض . ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تتبنى حكومة الولاية الشمالية مشروعاً استراتيجياً لتوطين وتطوير قطاع البساتين، باعتباره أحد أهم المشروعات القادرة على خلق فرص العمل ، وتشغيل الشباب ، وتنويع مصادر الدخل ، وتحقيق الأمن الغذائي ، وفتح آفاق جديدة أمام صادرات الولاية .

ويجب أن يبدأ هذا المشروع من الإنسان ، وتحديداً من الشباب ، عبر برنامج واسع للتدريب والتأهيل في إنتاج الشتول وإدارة المشاتل وإنشاء البساتين والري الحديث والميكنة الزراعية والتطعيم والتقليم والمكافحة والحصاد والتعبئة والتسويق ، غير أن التدريب وحده لا يكفي ، فالغاية الحقيقية هي الانتقال من التدريب إلى التمليك ، بحيث يجد الشاب بعد انتهاء تدريبه مشروعاً زراعياً حقيقياً ، ومدخلات إنتاج مناسبة ، وإرشاداً فنياً ، وتمويلاً يساعده على الانطلاق ، ومتابعة تضمن استمرارية المشروع ونجاحه .

ومن أهم ركائز هذا التوجه إنشاء مشتل مركزي للولاية يكون مركزاً لإنتاج الشتول المحسنة والأصناف ذات القيمة الاقتصادية ، وحفظ الأمهات ، وتدريب الشباب ، وإمداد المزارعين والأسر بالشتول ، مع إنشاء مشاتل فرعية في محليات الولاية المختلفة ، بحيث تتحول الشتلة من مجرد مدخل زراعي إلى بداية لسلسلة إنتاجية متكاملة .

ولا ينبغي أن يقتصر المشروع على المزارعين والشباب ، بل يجب أن تكون الأسرة جزءاً أصيلاً منه ، ويمكن إطلاق مبادرة تشجع الأسر على زراعة الأشجار المثمرة داخل المنازل والساحات والحدائق ، مع توفير الشتول والإرشاد والحوافز ، فحين تتحول زراعة الأشجار المثمرة إلى ثقافة مجتمعية ، فإن آلاف الأشجار التي تزرع اليوم يمكن أن تصبح خلال سنوات مصدر غذاء ودخل للأسر ، فضلاً عن دورها في تحسين البيئة وزيادة الرقعة الخضراء .

وفي هذا الإطار ، فإن دعوة شركة زادنا للدخول كشريك استراتيجي في المشروع تبدو مهمة ، لما يمكن أن توفره من إمكانات وخبرات في تنفيذ المشروعات الزراعية ، والمساهمة في إنشاء المشتل المركزي والمشاتل بالمحليات وإقامة مزارع نموذجية حديثة تكون مدارس عملية للشباب والمزارعين ، كما ينبغي فتح الباب أمام شركات القطاع الخاص ورجال الأعمال والمستثمرين للمشاركة في المشروع ، باعتباره استثماراً طويل الأجل في أرض تمتلك مقومات الإنتاج وأسواقاً يمكن أن تمتد إلى خارج السودان .

كما أن شركات التعدين العاملة في الولاية الشمالية مطالبة بأن توسع مفهوم مسؤوليتها المجتمعية ، بحيث لا تظل مساهماتها محصورة في مشروعات خدمية أو دعم موسمي ، وإنما تتجه إلى إنشاء مشروعات إنتاجية مستدامة ، وفي مقدمتها المزارع البستانية النموذجية ، وفق خطط مدروسة تستهدف إنتاج محاصيل ذات جودة عالية ومواصفات تؤهلها للتصنيع والتعبئة والتصدير .

الولاية الشمالية ليست مطالبة بأن تبدأ من الصفر ، فهناك تجارب قريبة يمكن الاستفادة منها ، وعلى رأسها تجربة ولاية نهر النيل في تطوير النشاط الزراعي والاستفادة من الإمكانات المتاحة ، وكذلك تجربة محافظة أسوان المصرية في استثمار الطبيعة والمناخ والموارد المتاحة وتطوير الإنتاج الزراعي وربطه بالتصنيع والتعبئة والتسويق ، والاستفادة من هذه التجارب لا تعني نقلها كما هي ، وإنما دراسة عوامل نجاحها وتكييفها بما يتناسب مع ظروف الولاية الشمالية ومواردها واحتياجاتها .

والأهم من ذلك أن يتحول المشروع من إنتاج المحصول إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ بالشتلة ، ثم المزرعة ، فالري والإنتاج ، ثم الحصاد والفرز والتعبئة والتصنيع والتسويق ، وصولاً إلى الأسواق الخارجية ، فالولاية لا تحتاج فقط إلى زيادة المساحات المزروعة ، وإنما تحتاج إلى إنتاج عالي الجودة ، وتقليل الفاقد ، وإضافة قيمة للمنتج قبل تسويقه ، وبناء علامة تجارية للمنتجات البستانية الشمالية .

يجب أن يتضمن هذا المشروع إقامة معرض زراعي سنوي للولاية الشمالية يكون منصة لتبادل التجارب والخبرات ، وعرض الأفكار والمنتجات والنجاحات الزراعية ، وتشجيع المستثمرين والمزارعين والشباب على الدخول في القطاع الزراعي ، والتعريف بفرص الاستثمار وربط المنتجين بالأسواق ، بما يعزز الإنتاج والتصنيع والصادر .

إن مشروع توطين وتطوير قطاع البساتين يمكن أن يتحول إلى مشروع قومي للولاية ، لا باعتباره مشروعاً زراعياً فحسب ، وإنما باعتباره مشروعاً للتشغيل والتنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي . مشروع يبدأ بتدريب شاب ، وينتهي بامتلاكه مزرعة ، ويبدأ بشتلة صغيرة ، وينتهي بمنتج ينافس في الأسواق ، ويبدأ بمزرعة نموذجية ، ثم يتحول إلى صناعة وسلسلة قيمة وفرص عمل وصادرات .

إن الولاية الشمالية قادرة على أن تجعل من البساتين أحد أعمدة اقتصادها الجديد ، إذا توفرت الإرادة والتخطيط والشراكة والعمل الجاد .
فالنهضة لا تبدأ من ضخامة المشروع ، وإنما من وضوح الرؤية واستمرارية العمل ، والولاية الشمالية تملك الأرض والماء والإنسان ، وما تحتاجه الآن هو أن تجمع هذه العناصر في مشروع واحد ، واضح الأهداف ، مستدام التمويل ، وأساس لشراكة وانفتاح نحو المستقبل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى