رأي

من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد التعافي: كيف تبدأ الأسرة في صناعة المستقبل؟

 

نعمان يوسف محمد **

في المقال الأول من هذه السلسلة، تناولنا كيفية تعامل الأسرة السودانية مع اقتصاد التضخم، وكيف يمكن حماية القدرة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدخل، من خلال الانتقال من الاستهلاك التلقائي إلى الإدارة الواعية للدخل والإنفاق.

وفي المقال الثاني، انتقلنا خطوة أخرى إلى بناء القدرة المالية للأسرة، من خلال تنويع مصادر الدخل، والادخار، والاستثمار في المهارات والتكنولوجيا، والاستفادة من التعاون.

أما هذه الحلقة فتتقدم خطوة إلى الأمام: ماذا تفعل الأسرة بهذه القدرة عندما تبدأ في امتلاك قدر أكبر من الوعي المالي والقدرة على إدارة مواردها؟

هنا الغاية لا ينبغي أن تتوقف عند النجاة من الغلاء. فالنجاة ضرورة، لكنها ليست مستقبلا. والاقتصاد الذي يظل منشغلا بحماية ما تبقى، من دون أن ينتقل إلى إنتاج ما يحتاجه، يبقى أسيرا للأزمة.

من هنا يبدأ الانتقال من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد التعافي ومن حماية الموارد إلى خلق القيمة:
في اقتصاد مضطرب، يصبح الحفاظ على الدخل وتقليل الإنفاق والاستعداد للطوارئ سلوكا عقلانيا. وقد كانت هذه المهارات ضرورية للأسرة السودانية خلال السنوات الماضية. لكن مرحلة التعافي تتطلب إضافة سلوك اقتصادي جديد: تحويل الموارد المتاحة إلى قيمة. فالأسرة التي تنتج جزءا من غذائها، أو تستثمر مساحة صغيرة في نشاط منتج، أو تحول مهارة أحد أفرادها إلى خدمة مدفوعة، تبني مصدرا جديدا للقيمة والدخل. والشاب الذي يتعلم مهارة يحتاجها السوق لا يبقى أسيرا في انتظار الوظيفة. والحرفي الذي يطور منتجه أو أسلوب تسويقه يرفع قدرته على المنافسة. والمزارع الذي يعرف احتياجات السوق قبل أن يبدأ الإنتاج يكون أقرب إلى تحقيق عائد أفضل. وبهذا المعنى، لا يبدأ التعافي الاقتصادي من حجم رأس المال، وإنما من حسن استخدام الموارد المتاحة.

الاقتصاد لا يبدأ من المشروعات الكبيرة:
عند الحديث عن التعافي، تتجه الأنظار عادة إلى المصانع الكبرى والمشروعات والاستثمارات الضخمة. وهي ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد، لكنها ليست وحدها القادرة على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي. فهناك اقتصاد واسع وأقل ظهورا يتكون من الأسرة المنتجة، والحرفي، والمزارع الصغير، والورشة، والمشروع المنزلي، ومقدم الخدمة، والتاجر الصغير، والمشروع متناهي الصغر.

وقد يبدو كل نشاط منها محدود الأثر بمفرده، لكن آلاف الأنشطة الصغيرة عندما تدخل دورة الإنتاج تتحول إلى قوة اقتصادية كبيرة. ولهذا فإن أحد مفاتيح التعافي في السودان هو إعادة تشغيل الموارد الصغيرة المنتشرة في المجتمع وربطها بالأسواق، بدل انتظار عودة المشروعات الكبرى وحدها إلى كامل طاقتها. فالاقتصاد القوي ليس اقتصاد عدد محدود من الشركات الكبيرة فقط، وإنما اقتصاد تشارك فيه قاعدة واسعة من المنتجين.

من مستهلكين إلى منتجين:
سيحتاج السودان في مرحلة التعافي إلى عودة الأسواق، وتحسن الدخول، واستعادة الخدمات، وزيادة الطلب. لكن تحسن القدرة الشرائية لا يكفي وحده لبناء تعاف مستدام. فالطلب المتزايد يحتاج إلى إنتاج يستجيب له. وعندما يتحول جزء من الدخل إلى طلب على منتجات محلية، ثم يدفع هذا الطلب المنتجين إلى زيادة الإنتاج، فإن دورة اقتصادية جديدة تبدأ: من دخل إلى طلب ثم إنتاج فدخل جديد ثم طلب جديد.

أما إذا ذهب الجزء الأكبر من الطلب إلى السلع المستوردة، فإن جزءا كبيرا من أثر زيادة الدخول سيغادر الاقتصاد المحلي. لذلك فإن التعافي الحقيقي يحتاج إلى الجمع بين استعادة القدرة الشرائية وتنشيط القدرة الإنتاجية. وعندها تصبح الأسرة والمشروع الصغير جزءا من الحل، وليس مجرد متلق لآثار الأزمة.

من الموارد إلى القيمة المضافة:
يمتلك السودان موارد واسعة: الأرض، والمياه، والثروة الحيوانية، والمنتجات الزراعية، والموارد البشرية، والموقع الجغرافي. لكن الموارد وحدها لا تصنع اقتصادا قويا. فالقيمة الاقتصادية تتضاعف عندما تدخل الموارد في سلسلة متكاملة تبدأ بالإنتاج وتمتد إلى التصنيع والتخزين والنقل والتسويق والتمويل.

فبيع المحصول خاما يحقق عائدا، لكن تصنيعه أو تجفيفه أو تعبئته وتسويقه يمكن أن يخلق قيمة أكبر وفرص عمل إضافية. والأمر نفسه ينطبق على الثروة الحيوانية والمنتجات الغذائية والحرف والخدمات. وهنا تكمن إحدى الفرص الكبرى أمام اقتصاد التعافي: الانتقال من اقتصاد يبيع الموارد في صورتها الأولية إلى اقتصاد يضيف إليها قيمة قبل طرحها في السوق.

وهذا لا يعني دائما إنشاء مصانع ضخمة. فكثير من حلقات القيمة المضافة يمكن أن تبدأ بمشروعات صغيرة في التصنيع الغذائي، والتعبئة، والتجفيف، والتخزين، والنقل، والصيانة، والخدمات والتسويق.

المشروع الصغير جزء من سلسلة أكبر:
المشروع الصغير لا يعمل في فراغ. فالمزارع يحتاج إلى مدخلات وتمويل ونقل وتخزين وسوق. والمصنع يحتاج إلى خامات. والتاجر يحتاج إلى موردين. والمستهلك يحتاج إلى منتج جيد وبسعر مناسب. لهذا فإن قوة المشروع لا تأتي فقط من قدرته الفردية، وإنما أيضا من علاقته بالآخرين داخل سلسلة القيمة. حيث يمكن أن يبدأ الأمر بمزارعين ينتجون سلعة محددة، ثم ترتبط بهم وحدة تصنيع، ثم موزعون، ثم أسواق ومستهلكون. وحول هذه السلسلة تنشأ أنشطة أخرى في التمويل والنقل والتخزين والصيانة والتسويق والتكنولوجيا.

وهكذا يتحول النشاط الفردي إلى منظومة اقتصادية، ويصبح نجاح مشروع صغير مصدرا لفرص جديدة لمشروعات أخرى. وهذا هو أحد الأدوار المهمة التي يمكن أن تؤديها التعاونيات والشراكات المحلية في مرحلة التعافي. ويتمثل ذلك في تجميع القدرات الصغيرة وتحويلها إلى قوة اقتصادية أكبر.

العمل أوسع من الوظيفة:
من الضروري أيضا إعادة النظر في مفهوم العمل. فالعمل ليس وظيفة حكومية أو راتبا شهريا فقط. يمكن أن يكون حرفة، أو تجارة، أو زراعة، أو خدمة، أو مشروعا منزليا، أو نشاطا رقميا، أو شراكة، أو إنتاجا تعاونيا. ولا يعني ذلك أن يتحول الجميع إلى أصحاب أعمال، وإنما أن تصبح الوظيفة واحدة من صور العمل، لا صورته الوحيدة.

وفي اقتصاد يحتاج إلى فرص عمل أكثر مما تستطيع الوظائف التقليدية توفيره، تصبح القدرة على خلق النشاط الاقتصادي والعمل للذات وللآخرين موردا مهما من موارد التعافي. ومن هنا تكتسب المهارات العملية والمهنية والرقمية أهمية متزايدة؛ لأنها لا تزيد فرص التوظيف فقط، بل تفتح كذلك أبوابا للعمل الحر والإنتاج والخدمات.

التمويل أداة للنمو وليس بديلا عن المشروع:
لا يمكن الحديث عن المشروعات والتعافي من دون الحديث عن التمويل. فالمشروع يحتاج إلى رأس مال، والاقتصاد يحتاج إلى موارد مالية تحرك الإنتاج والاستثمار. لكن التمويل وحده لا يصنع مشروعا ناجحا. والمال إذا لم يرتبط بفكرة قابلة للتنفيذ، وسوق واضح، ومهارة، وإدارة جيدة، وقدرة إنتاجية، قد يتحول من أداة للنمو إلى عبء على صاحبه. لذلك ينبغي أن تقوم منظومة تمويل المشروعات على معادلة متكاملة: الفكرة زائدا المهارة زائدا السوق زائدا الإنتاج زائدا التمويل.

وعندما يعمل التمويل داخل هذه المنظومة، يصبح أكثر قدرة على خلق الدخل وفرص العمل والقيمة المضافة. وهنا تبرز أهمية تطوير مؤسسات التمويل والمصارف لمنتجات تفهم طبيعة المشروعات الصغيرة، وتربط التمويل بالنشاط الحقيقي بدل الاقتصار على تمويل الاستهلاك. وسيكون التمويل الموجه للإنتاج محورا مهما في الحلقة القادمة من هذه السلسلة.

من المبادرة الفردية إلى المنظومة الاقتصادية:
لا يمكن تحميل الأسرة أو المواطن وحده مسؤولية التعافي. فالمبادرة الفردية تحتاج إلى بيئة اقتصادية تساعدها على النمو. والمصارف مطالبة بتطوير منتجات مناسبة للمشروعات الصغيرة. ومؤسسات التمويل مطالبة بفهم طبيعة المنتجين الصغار. والتعاونيات تستطيع المساهمة في تجميع المدخرات والمشتريات والإنتاج والتسويق. ومؤسسات التدريب مطالبة بربط المهارات باحتياجات السوق. والحكومة مطالبة بتسهيل ممارسة النشاط وتقليل تكلفته. أما القطاع الخاص فيستطيع أن يربط المنتجين الصغار بالأسواق وسلاسل الإمداد.

بهذه الأدوار المتكاملة تنتقل المبادرات من كونها جهودا فردية متفرقة إلى منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج القيمة وفرص العمل.

التعافي يبدأ من الأعلى ومن الأسفل:
التعافي الاقتصادي يحتاج إلى مسارين متزامنين. مسار من أعلى إلى أسفل تقوده السياسات والإصلاحات، وإعادة بناء البنية التحتية، وتهيئة بيئة الأعمال، وتوفير التمويل والخدمات الأساسية. ومسار من أسفل إلى أعلى تقوده الأسر والمنتجون والمزارعون والحرفيون والمشروعات الصغيرة والتعاونيات. وعندما يلتقي المساران، تبدأ دورة التعافي في التشكل: الأسرة المنتجة تدعم السوق المحلي، والسوق يشجع المنتج، والمنتج يخلق طلبا على الخدمات، والخدمات تخلق وظائف، والوظائف تولد دخولا، والدخول تنشط الأسواق من جديد. وهكذا تتحول المبادرات الصغيرة إلى حركة اقتصادية أوسع.

من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد الأمل:
لقد علمتنا السنوات الماضية كيف نحافظ على ما تبقى. أما المرحلة القادمة فيجب أن تعلمنا كيف نبني من جديد. نعم، كانت النجاة هدفا مشروعا في زمن الحرب، لكنها لا يمكن أن تكون استراتيجية دائمة. فالاقتصاد الذي يظل في وضع الدفاع لا يستطيع أن يصنع مستقبلا.

الآن نحتاج إلى اقتصاد ينتج، ويضيف قيمة، ويخلق فرصا، ويربط التمويل بالإنتاج، ويحول المهارة إلى مورد اقتصادي، والتعاون إلى قوة، والتكنولوجيا إلى أداة للعمل، والمشروع الصغير إلى لبنة في منظومة أكبر.

قد لا يبدأ هذا التحول بقرار اقتصادي ضخم. وإنما قد يبدأ بأسرة تقرر أن تنتج جزءا مما تحتاجه. أو شاب يتعلم مهارة مطلوبة. أو حرفي يطور منتجه. أو مزارع يدخل في سلسلة قيمة أفضل. أو مجموعة منتجين تتعاون في الشراء أو الإنتاج أو التسويق. أو مصرف يوجه موارده نحو تمويل النشاط المنتج.

هذه الخطوات قد تبدو صغيرة منفردة، لكن آلاف الخطوات الصغيرة قادرة على صناعة تحول اقتصادي واسع. لقد كان الهدف في المرحلة الماضية هو البقاء. ثم أصبح الهدف هو حماية الدخل وبناء القدرة المالية. أما الخطوة التالية فهي أن تتحول هذه القدرة إلى إنتاج ودخل وقيمة وفرص. فالسودان لن يستعيد عافيته بمجرد عودة الأسواق إلى العمل، أو تحسن الدخول، أو تراجع حدة الأزمة. بل ستكتمل عافيته عندما يعود السودانيون أنفسهم إلى دائرة الإنتاج، وعندما تصبح لكل أسرة، ولكل شاب، ولكل منتج صغير فرصة حقيقية للمساهمة في بناء اقتصاد جديد.

والعودة الحقيقية لا تعني فقط أن نعود إلى بيوتنا؛ بل أن نعود إلى العمل، والإنتاج، وصناعة القيمة، وبناء المستقبل.

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى